>

 

الحكم رقم 56 لسنة 18 ق (عدم دستورية الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977.)التشريع 49 لسنة 1977م - الفقرة الأولى من المادة 8 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الموافق 15 نوفمبر 1997 م

 

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر - رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي - رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر -أمين السر.

 

القضية رقم 56 لسنة 18 قضائية "دستورية"

 

الإجراءات

 

في الثالث من يونيو سنة 1996، أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك فيما نصت عليه من حظر احتجاز الشخص أكثر من مسكن في البلد الواحد دون مقتض.

 

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

 

وبتاريخ 19 فبراير سنة 1997، أودع السيد/ سعيد محمد عبد الواحد المحامي قلم كتاب المحكمة صحيفة تدخل منضماً إلى المدعي في الدعوى الراهنة، ومختصماً فيها السيد/ سيد شريف السيد وآخرين، فتقدم هؤلاء بمذكرة طلبوا فيها أصلياً عدم قبول التدخل واحتياطياً برفض الدعوى.

 

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

 

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمة

 

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

 

حيث إن الوقائع - حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليه الثاني كان قد أقام ضد المدعي الدعوى رقم 2957 لسنة 1995 مدني كلي الإسكندرية (مساكن)، طالباً فيها إخلاءه من الشقة التي استأجرها منه، وفسخ عقد إجارتها المؤرخ أول يناير سنة 1973، وذلك استناداً إلى أنه تملك سكناً آخر في المدينة، وصار بذلك محتجزاً أكثر من مسكن في بلد واحد. وأثناء نظر تلك الدعوى دفع المدعى عليه فيها بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 لمخالفتها لأحكام المواد 2 و40 و41 و50 و57 من الدستور، فقررت محكمة الموضوع تأجيل نظر الدعوى المطروحة عليها كي يقدم مبدي الدفع ما يفيد الطعن بعدم الدستورية، فأقام المدعي الدعوى المثالة.

 

وحيث إن الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر يجرى نصها كالآتي: "لا يجوز للشخص أن يحتجز في البلد الواحد أكثر من مسكن دون مقتض".

 

وحيث إن عن طلب التدخل، فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن شرط قبوله أن يكون مقدماً ممن كان طرفاً في الخصومة الموضوعية، وهو ما لم يتوافر في النزاع الراهن، ومن ثم يكون هذا الطلب غير مقبول.

 

وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها عقلاً بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان النزاع الموضوعي يدور حول طلب إخلاء المدعي من عين كان قد استأجرها بعد أن تملك غيرها، وصار بذلك محتجزاً أكثر من مسكن في البلد الواحد؛ وكان ما توخاه المدعي بدعواه الدستورية أن يظل باقياً في العين التي استأجرها، فلا يطرد منها تأسيساً على أن ما تنص عليه الفقرة الأولى المطعون عليها من حظر احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد، مناقض للدستور؛ وكانت المادة 76 من هذا القانون، تفرض جزاء جنائياً في شأن من يخالفون هذا الحظر، فإن هذه الفقرة وتلك المادة تتكاملان مع بعضهما، وتمثلان كلاً لا ينقسم، وبهما معاً يتحدد للخصومة الدستورية نطاقها.

 

وحيث إن الفقرة الأولى من المادة الثامنة المشار إليها، هي التي قرن المشرع مخالفتها بإيقاع جزاء جنائي، وكان كل جزاء جنائي لا يعتبر موافقاً للدستور إلا إذا كان مبناه ضرورة اجتماعية لا تناهض الأحكام التي تضمنها؛ وكان ذلك مؤداه أن بطلان أصل الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها، يعني أن يصبح الجزاء المتصل بها منعدماً محلاً وساقطاً، فلا يبقى هذا الجزاء بعد زوالها تبعاً للحكم ببطلانها لمخالفتها للدستور.

 

وحيث إن المدعي ينعي على الفقرة الأولى المطعون عليها مخالفتها لأحكام المواد 2 و40 و41 و50 و57 من الدستور، وذلك تأسيساً على أن المشرع أخضع المساكن المؤجرة لأغراض السكنى دون غيرها للحظر المتعلق باحتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد، وظل نطاق الحظر منحسراً بالتالي عن الأماكن المعدة لغير أغراض السكنى، ليقيم المشرع بذلك تمييزاً جائراً بين مواطنين تتماثل ظروفهم القانونية بما يخل بتساويهم أمام القانون. كذلك فإن إطلاق الحق في احتجاز أكثر من مسكن ولو في بلد واحد، لا ينال من مبدأ تكافؤ الفرص إلا إذا تعلق الأمر بمساكن هيأتها الدولة لمواطنيها، وكان تزاحمهم عليها متصوراً. ولا كذلك المسكنان اللذان احتجزهما المدعي استجاراً وتمليكاً في البلد الواحد. هذا فضلاً عن أن الحظر المقرر بالفقرة المطعون عليها لا يستند إلى منطق، إذ بينما يقوم هذا الحظر في البلد الواحد، فإن مقتضاه إمكان أن يكون لكل شخص أكثر من مسكن بقدر عدد مدن مصر جميعها، ولو لم يكن لاحتجازها بكاملها من مسوغ.

 

وحيث إن البين من مضبطة الجلسة الثانية والسبعين لمجلس الشعب المعقودة في 19 يونيو 1977، أن بعض أعضاء المجلس اقترح أن يمتد الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها إلى الشخص وأولاده القصر. ومنهم من دعا إلى أن يكون هذا الحظر مطلقاً، فلا يجوز احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد، ولو كان مبرراً. وارتأى آخرون أن يكون الاحتجاز منصرفاً لأكثر من مسكن، سواء كان سنده ملكاً أو إيجاراً، إلا أن مجلس الشعب أبقى على الحظر بالصورة التي ظهر بها في مشروع الحكومة.

 

وجاء كذلك بتقرير لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بمجلس الشعب في شأن مشروع قانون تأجير وبيع الأماكن، أن مشكلة الإسكان لا تنفرج بالقانون، وإنما يتعين أن تعمل الدولة جاهدة على توفير الوحدات السكنية مع وضعها القطاعين التعاوني والخاص في حجمهما المأمول، لينطلقا إلى تحقيق ما هو معقود عليهما من رجاء.

 

وحيث إن المشرع تغيا بالفقرة الأولى من المادة 8 من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه - وعلى ما يبين من المذكرة الإيضاحية لهذا القانون - العمل على توفير المساكن لمن يطلبها.

 

وحيث إن السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، حدها قواعد الدستور، فلا يجوز تخطيها، وكان من المقرر أن الحقوق التي كفل الدستور أصلها لا يجوز تقييدها بما ينال منها، تقديراً بأن لكل حق مجالاً حيوياً أو دائرة منطقية يعمل في إطارها، فلا يجوز اقتحامها، وإلا كان ذلك نقضاً لفحواه، وعدواناً على نصوص الدستور ذاتها.

 

وحيث إن ما ينعاه المدعي من مخالفة الفقرة المطعون عليها لحكم المادة الثانية من الدستور التي تقيم من الشريعة الإسلامية - في ثوابتها ومبادئها الكلية - المصدر الرئيسي لكل قاعدة قانونية أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها، مردود بأن الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة في مجال تطبيقها لنص المادة الثانية من الدستور، لا تمتد - وعلى ما جرى به قضاؤها - لغير النصوص القانونية الصادرة بعد تعديلها في 22 مايو 1980، ولا يندرج تحتها القانون رقم 49 لسنة 1977 لصدوره قبلها، ومن ثم يظل نائياً عن رقابتها، ولو كانت النصوص التي تضمنها قد شابها عوار تناقضها مع الأحكام الشرعية المقطوع بثبوتها ودلالتها.

 

وحيث إن ما ينعاه المدعي من مخالفة النص المطعون فيه للمادة 57 من الدستور التي تقضي بأن كل اعتداء على الحرية الشخصية وعلى حرمة الحياة الخاصة، أو على الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور أو القانون، يعد جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا الدعوى المدنية الناشئة عنها بالتقادم، مردود بأن تأثيم الدستور أو المشرع أفعالاً بذواتها أو صوراً من الامتناع يحددانها، مؤداه أن يتخذ هذا الفعل أو الامتناع مظهراً مادياً، فلا يكون كامناً في أعماق النفوس مُغلفاً بدخائلها، بل ظاهراً جلياً مُعبراً عن إرادة عصيان نصوص عقابية آمرة زجر بها المشرع المخاطبين بها، محدداً من خلالها ما ينبغي عليهم أن يأتوه أو يدعوه من الأفعال، بعد تحديدها تحديداً قاطعاً لا يلبسها بغيرها. ولا كذلك ما تقره السلطة التشريعية من نصوص قانونية في مجال تنظيم الحقوق، ولا ما يصدر من هذه النصوص عن السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها. ذلك أن تلك النصوص جميعها لا تبلور عملاً مادياً تظهر به الجريمة على مسرحها، ولكنها تحدد لدائرة التجريم نطاقها على ضوء الضرورة الاجتماعية التي تقدرها، وبما يكون مناسباً لمتطلباتها.

 

وحيث إن الدستور لا يعتبر مجرد إطار شكلي أو تنظيم إجرائي لقواعد مباشرة السلطة وصور توزيعها، وإنما يتضمن - أصلاً - قِيَماً وحقوقاً لها مضامين موضوعية كفل الدستور حمايتها، وحرص على أن يرد كل عدوان عليها من خلال حق التقاضي حتى يظل محتواها نقياً كاملاً، فلا تفقد قيمتها أو تنحدر أهميتها، ولا تنفصل هذه القيم وتلك الحقوق عن الديمقراطية محدد معناها وفق أكثر أشكالها تطوراً، ولكنها تقارنها، وتقيم أساسها، وتكفل إنفاذ مفاهيمها، بل إنها أكثر اتصالاً بذاتية الفرد، وبتكامل شخصيته، وبحفظها لكرامته، فلا تكون الحرية معها شعاراً، بل توهجاً فاعلاً ومحيطاً.

 

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية التي لا يقتصر ضمانها على تأمينها ضد صور العدوان على البدن، بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة من إرادة الاختيار وسلطة التقرير التي ينبغي أن يملكها كل شخص، فلا يكون بها كائناً يُحمل على ما لا يرضاه، بل بشراً سوياً.

 

وحيث إن حرية التعاقد هذه، فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، إنها كذلك وثيقة الصلة بالحق في الملكية، وذلك بالنظر إلى الحقوق التي ترتبها العقود فيما بين أطرافها، أياً كان الدائن بها أو المدين بأدائها. بيد أن هذه الحرية - التي لا يكفلها انسيابها دون عائق، ولا جرفها لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها - لا تعطلها تلك القيود التي تفرضها السلطة التشريعية عليها بما يحول دون انفلاتها من كوابحها. ويندرج تحتها أن يكون تنظيمها لأنواع من العقود محدداً بقواعد آمرة تحيط ببعض جوانبها. غير أن هذه القيود لا يسعها أن تدهم الدائرة التي تباشر فيها الإرادة حركتها، فلا يكون لسلطانها بعد هدمها من أثر.

 

وحيث إن العقود التي يقيمها أطرافها وفق نصوص الدستور ذاتها، لا يجوز أن ينهيها المشرع، ولو عارضتها مصلحة أياً كان وزنها.

 

وحيث إن صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ما ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية؛ وكان ضمان وظيفتها هذه يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها جوهر مقوماتها؛ وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفاً بها منافياً للحق فيها.

 

وحيث إن الحماية التي يكفلها الدستور للملكية الخاصة - وبوصفها إحدى القيم الجوهرية التي يرعاها - لا تقتصر على ما هو قائم فعلاً من مصادرها التي استقام بها الحق في الملكية صحيحاً وفق أحكام الدستور، ولكنها تمتد بداهة إلى ما هو مشروع من صور كسبها التي تعد سبباً لتلقيها أو لانتقالها من يد أصحابها إلى آخرين، فلا يكون تقييد دائرتها جائزاً. فالأموال التي نملكها، وكذلك ما يؤول إلى أغيار من عناصرها، هي التي قصد الدستور إلى صونها، ولم يجز المساس بها إلا استثناء، وبمراعاة الوسائل القانونية السليمة التي تقارن حق إنشائها وتغيير سندها. وينبغي بالتالي النظر إلى الحماية التي تشملها بما يقيمها وفق مفاهيم الحرية التي يمارسها الأفراد تعبيراً عن ذواتهم، وتوكيداً لحدود مسئوليتهم عن صور نشاطهم على اختلافها Self - defining responsible activity، فلا يكون صون الملكية إلا ضماناً ذاتياً لأصحابها، يرد عن ملكيتهم كل عدوان ينال من عناصرها.

 

وحيث إن ما تنص عليه المادة 37 من الدستور من أن يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية بما يضمن حماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال، مؤداه أن قيد الحد الأقصى لا يتعلق إلا بالملكية الزراعية، فإذا انسحب إلى غيرها، كان مخالفاً للدستور.

 

وحيث إن حرية الانتقال Freedom of movement غدواً ورواحاً - بما تشتمل عليه من حق مغادرة الإقليم - تعتبر حقاً لكل مواطن يمارسها بما لا يعطل جوهرها، وإن جاز، أن يتدخل المشرع لموازنتها بمصلحة يقتضيها الأمن القومي.

 

Il revient au législateur d’assurer la conciliation entre d’une part la liberté d’aller et venir,

 

laquelle n’est pas limitée au territoire national mais comporte également le droit de le quitter, et la protection de la sécurité nationale, nécessaires L’une et l’autre à la sauvegarde de droits de valeur constitutionnelle.

 

(93 - 325 DC, 13 aout 1993, cons. 103, p. 224).

 

وحيث إن المادة 50 من الدستور تردد هذه الحرية ذاتها بإطلاقها حق كل مواطن - وفيما خلا الأحوال التي يبينها القانون - في أن يقيم في الجهة التي يختارها داخل بلده، فلا يُرد عنها، ولا يُحمل على أن يتخذ غيرها مقراً دائماً.

 

كذلك فإن حرية الانتقال - وما يقارنها من اختيار الشخص لجهة بعينها يقيم فيها - هي التي اعتبرها الدستور من عناصر الحرية الشخصية، فلا تتكامل بعيداً عنها، وكان مفهوماً بالتالي أن ينص في المادة 41، على أن القبض والحرمان من الانتقال مشروطان - إذا لم يكن ثمة تلبس - بصدور أمر بهما من جهة قضائية يكون مستنداً إلى ضرورة يستلزمها التحقيق، ويقتضيها صون أمن الجماعة.

 

وفي إطار هذه الحرية ذاتها، فإن إبعاد المواطن عن بلده أو رده عن العودة إليها، ممنوعان بنص المادة 51 من الدستور، ولو كان ذلك تدبيراً احترازياً لمواجهة خطورة إجرامية.

 

وكشف الدستور كذلك عن بعض الأبعاد التي تتسم بها حرية الانتقال، وذلك بما نص عليه في المادة 52 من أن لكل مواطن حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج وفقاً للقواعد التي يضعها المشرع في شأن شروط الهجرة وإجراءاتها. وجعل الله تعالى حرية الانتقال حقاً وواجباً بأن مهد الأرض لتكون ذلولاً لعباده، يمشون في مناكبها أعزاء غير مقهورين.

 

وتشهد هذه النصوص جميعها بأن حرية الانتقال حق عام، وأن تقييده دون مقتض مشروع، إنما يجرد الحرية الشخصية من خصائصها، ويقوض صحيح بنيانها.

 

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ثمة مناطق من الحياة الخاصة لكل فرد تمثل أغواراً لا يجوز النفاذ إليها، وينبغي دوماً ألا يقتحمها أحد ضماناً لسريتها وصوناً لحرمتها، فلا يكون اختلاس بعض جوانبها مقبولاً. وهذه المناطق من خواص الحياة ودخائلها تصون مصلحتين تتكاملان فيما بينهما وإن بديتا منفصلتين، ذلك أنهما تتعلقان بوجه عام بنطاق المسائل الشخصية التي ينبغي كتمانها وحجبها عن الآخرين، وكذلك بما ينبغي أن يستقل به كل فرد من سلطة التقرير فيما يؤثر في مصيره. وتبلور هذه المناطق جميعها التي يلوذ الفرد بها، مطمئناً لحرمتها، وامتناع إخضاعها لأشكال الرقابة وأدواتها على اختلافها، الحق في أن تكون للحياة الخاصة تخومها، باعتبار أن صونها من العدوان أوثق اتصالاً بالقيم التي تدعو إليها الأمم المتحضرة، وأكفل للحرية الشخصية التي يجب أن يكون نهجها متواصلاً ليوائم مضمونها الآفاق الجديدة التي ترنو الجماعة إليها.

 

وحيث إن احتجاز أكثر من عين للسكنى وفقاً لحكم الفقرة الأولى المطعون عليها، يفيد الانفراد بها والاستئثار بمنافعها، سواء أكان من يحتجزها مالكاً لها جميعها، أم مستأجراً لها بأكملها، أم مالكاً لبعضها ومستأجراً باقيها.

 

وحيث إن سريان الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها في شأن كل شخص يحتجز أكثر من مسكن في البلد الواحد، ولو تملكها جميعها، إنما يناقض الدستور من نواح متعددة أولها: أن الملكية التي يجوز تقرير حدها الأقصى، هي التي تكون الأراضي الزراعية - دون سواها - محلاً لها.

 

ثانيها: أن الملكية وثيقة الصلة بالحق في التنمية، وبحرية تداول الأموال فيما هو مشروع من أوجهها. ولا يجوز بالتالي فرض قيود عليها تنقض مجال حركتها، ولا تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وعلى الأخص في إطار الأوضاع الراهنة التي صار تمليك المساكن معها نمطاً غالباً، وأسلوباً يكاد أن يكون وحيداً لاتخاذها موطناً يقيم الشخص فيه عادة؛ ولأن جواز أن يكون للشخص أكثر من موطن، قاعدة مقررة قانوناً.

 

وثالثها: أن المشرع قرن الحظر المنصوص عليه بالفقرة المشار إليها؛ بعقوبة مقيدة للحرية تعداها إلى حد إنهاء العمل بالعقود التي تم إبرامها بالمخالفة لمضمونه. وهو ما يعتبر أخذاً للملكية من أصحابها بغير إتباع الوسائل القانونية السليمة، بعد أن فقد أصحابها سند ملكيتهم بمقتضى قاعدة آمرة لا يملكون منها فكاكاً.

 

وحيث إن حظر احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد يناقض الدستور كذلك، ولو كان من احتجزها قد استأجرها جميعاً، ذلك أن النصوص القانونية تعتبر مجرد وسائل لتحقيق أغراض بعينها قصد إليها المشرع كافلاً من خلالها مصلحة مشروعة يبتغيها. وهذه الصلة التي تقوم بها علاقة منطقية بين مضمون النصوص القانونية وأهدافها، تعتبر شرطاً لدستوريتها. بيد أن الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها، وإن تعلق باحتجاز أكثر من مسكن "في البلد الواحد" ضماناً لتوفير السكنى لمن يطلبها، إلا أن هذه الفقرة ذاتها - وبمفهوم المخالفة لحكمها - لا تحول دون احتجاز الشخص الواحد لأكثر من مسكن بقدر عدد مدن مصر جميعها إذا اتخذ في كل منها - ولو دون مقتض - مسكناً واحداً مستقلاً. كذلك فإن البلد الواحد - في تطبيق الفقرة المطعون عليها - قد يكون شديد الاتساع مترامياً أطرافاً، ويظل شأن احتجاز أكثر من مسكن فيه، شأن احتجازها في بلدة تضيق رقعتها إلى حد كبير. كذلك قد يكون المسكن الآخر واقعاً على حدود التماس بين بلدين، ويظل مع ذلك محظوراً.

 

وحيث إن الدستور - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - كفل صون الأموال دون تمييز بينها باعتبار أن الحقوق جميعها - الشخصية منها والعينية - تعتبر قيماً مالية لا يجوز أن يمسها المشرع؛ وكان حق المستأجر في الانتفاع بالشيء المؤجر لمدة محددة ولقاء أجر معلوم، لا زال حقاً شخصياً حتى في إطار القوانين الاستثنائية التي حدد بها المشرع للإجارة بعض جوانبها بمقتضى قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها، ويعتبر بذلك حقاً مالياً مكفولاً بنصوص الدستور ذاتها. فإذا أهدره المشرع من خلال إنهاء العمل بعقود الإجارة التي يجاوز محلها مسكناً واحداً في البلد الواحد؛ فإن هذا الإنهاء يكون متضمناً عدواناً على عقود تتعلق بقيم مالية، ومعطلاً دور الإرادة الحرة في مجال إحداثها، ومقيداً كذلك حرية الانتقال التي كفل الدستور أصلها بما يلازمها من حق اختيار الشخص للجهة التي يقيم فيها، فلا يحمل على أن يتخذ غيرها مقراً.

 

وحيث إن احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد - مستأجراً كان أم مملوكاً - وإن كان جائزاً وفقاً للنص المطعون فيه، كلما قام هذا الاحتجاز على مقتض مشروع يبرره؛ وكان تقدير توافر هذا المبرر - وعلى الأخص في نطاق الشئون العائلية - من المسائل التي تدق فيها الأنظار؛ وكانت الأعذار التي تسوغ هذا الاحتجاز كثيراً ما تكتنفها محاذير تحول دون إعلانها، فلا يكون الحمل على طرحها من خلال الخصومة القضائية إلا إخلالاً بحرمة الحياة الخاصة التي كفل الدستور صونها بنص المادة 45، ومن ثم كان كتمان أصحابها لها - مع مشروعيتها - متصلاً بدخائلهم وأغوار سرائرهم. وما جوهر الأسرة إلا وحدة بنيانها وترابط مصالح أفرادها وتداخلها، فلا يجوز أن يكون أمرها نهباً لآخرين يميطون عن أسرارها، أستارها.

 

وحيث إنه لما تقدم، تكون الفقرة الأولى المطعون عليها مخالفة لأحكام المواد 32 و34 و41 و45 و50 من الدستور.

 

فلهذه الأسباب

 

حكمت المحكمة:

 

أولاً: بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

 

ثانياً: بسقوط نص المادة 76 من هذا القانون في مجال تطبيقها بالنسبة لاحتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد.

 

ثالثاً: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 





وسط البلد - القاهرة - عمارة ناسيتا .


للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى                     للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى  

اتصل بنا