>

 

الحكم رقم 116 لسنة 18 ق (عدم دستورية ما نصت عليه المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977.)التشريع 49 لسنة 1977م - المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الموافق 2 أغسطس سنة 1997 م

 

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر - رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي - المفوض، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر - أمين السر.

 

القضية رقم 116 لسنة 18 قضائية "دستورية"

 

الإجراءات

 

بتاريخ 24 أكتوبر سنة 1996، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلبين الحكم بعدم دستورية المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977، وذلك فيما تضمنته من سريانها على أقارب المستأجر نسباً حتى الدرجة الثالثة.

 

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

 

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

 

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمة

 

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

 

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعين سبق أن حكم لصالحهم في الدعوى رقم 11041 لسنة 109 قضائية استئناف القاهرة - بفسخ عقد إيجار شقة يملكونها بالعقار رقم 480 شارع الأهرام قسم الجيزة، كانت مؤجرة منهم للسيد/ فؤاد أحمد حسني. ومن ثم فقد أقاموا الدعوى رقم 340 لسنة 1994 - أمام محكمة الجيزة الابتدائية دائرة الإيجارات ضد المدعى عليهما الخامسة والسادس بطلب إخلائهما منها تأسيساً على حيازتهما لها بطريق النصب، إلا أن المدعى عليها الخامسة أقامت أثناء تداول الدعوى المذكورة - دعوى فرعية بطلب امتداد عقد إيجار الشقة - محل المنازعة - لها بصفتها شقيقة للمستأجر الأصلي. وإذ قضي في الدعوى الأصلية برفضها، وفي الدعوى الفرعية بامتداد عقد الإيجار للمدعى عليها الخامسة، فقد طعن المدعون على هذا الحكم بالاستئناف رقم 5704 لسنة 112 قضائية استئناف القاهرة، ودفعوا أثناء نظر استئنافهم بعدم دستورية المادة 29/ 1 من القانون رقم 49 لسنة 1977، وذلك فيما تضمنته من امتداد عقد الإيجار للأقارب نسباً حتى الدرجة الثالثة.

 

وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية، فقد صرحت للمدعين برفع دعواهم الدستورية، فأقاموا الدعوى الماثلة:

 

وحيث إن المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر - وعلى ضوء قضاء المحكمة الدستورية العليا في الطعون أرقام 6 لسنة 9 قضائية و4 لسنة 15 قضائية و3 لسنة 18 قضائية و44 لسنة 17 قضائية "دستورية" أصبحت تقرأ - وبقدر تعلق أحكامها بالأماكن المؤجرة لأغراض السكنى - على النحو الآتي:

 

"مع عدم الإخلال بحكم المادة 8 من هذا القانون، لا ينتهي عقد إيجار السكن بوفاة المستأجر أو تركه العين، إذا بقى فيها زوجته أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون معه حتى الوفاة أو الترك، وفيما عدا هؤلاء من أقارب المستأجر نسباً حتى الدرجة الثالثة يشترط لاستمرار عقد الإيجار إقامتهم في المسكن مدة سنة على الأقل سابقة على وفاة المستأجر أو تركه العين، أو مدة شغله للمسكن أيتهما أقل.

 

وفي جميع الأحوال يلتزم المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في الاستمرار في شغل العين، ويلتزم هؤلاء الشاغلون بطريق التضامن بكافة أحكام العقد".

 

وحيث إن القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، قد نص في المادة 18 منه على أنه "لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان، ولو انتهت المدة المتفق عليها إلا لأحد الأسباب الآتية:

 

(ج) إذا ثبت أن المستأجر قد تنازل عن المكان المؤجر أو أجره من الباطن بغير أذن كتابي صريح من المالك للمستأجر الأصلي، أو تركه للغير بقصد الاستغناء عنه نهائياً، وذلك دون إخلال بالحالات التي يجيز فيها القانون للمستأجر تأجير المكان مفروشاً، أو التنازل عنه، أو تأجيره من الباطن، أو تركه لذوي القربى وفقاً لأحكام المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977.

 

وحيث إن القاعدة التي أرستها المادة 18 المشار إليها، وإن دلت على جواز إخلاء العين المؤجرة للسكنى إذا تخلى المستأجر الأصلي عنها للغير، إلا أن هذه المادة ذاتها تورد استثناء من تلك القاعدة مؤداه امتناع إخلائها كلما تركها هذا المستأجر لصالح الأقرباء الذين عينتهم المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وبالشروط التي حددتها. متى كان ما تقدم، فإن نطاق الطعن الماثل لا ينحصر فيما قررته المادة 29 من القانون 49 لسنة 1977 المشار إليه، من استمرار عقد إيجار العين المؤجرة لصالح أقرباء المستأجر الأصلي نسباً بعد أن تخلى عنها، وإنما يمتد هذا النطاق كذلك إلى الأحكام ذاتها التي تبنتها المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981 لصالح هذه الفئة عينها.

 

وحيث إن مؤدى النص المطعون فيه - فيما قرره من أحكام تتعلق بالأعيان المؤجرة لأغراض السكنى - أنه فيما عدا أبناء المستأجر الأصلي أو والديه الذين لا تنتهي بالنسبة إليهم الإجارة التي عقدها إذا توفى أو تخلى عن سكنه، بل يكون سريانها لصالحهم نافذاً في حق المؤجر أياً كانت مدة إقامتهم في هذا السكن مع ذلك المستأجر. فإن غيرهم من أقرباء هذا المستأجر نسباً لا يبقون في هذه العين بعد وفاة مستأجرها الأصلي أو تخليه عنها - وبوصفهم كذلك مستأجرين لها - إلا بشرطين: أولهما: أن تكون قرابتهم نسباً لهذا المستأجر حتى الدرجة الثالثة. وثانيهما: أن تكون إقامتهم مع المستأجر الأصلي في العين التي كان يشغلها مستقرة لا يتخللها انقطاع غير عارض، مع اقترانها بقصد الاستيطان، فلا يشوبها غموض أو يداخلها خفاء، توقياً لالتباس أمرها على المؤجر؛ وبشرط أن تستطيل إقامتهم فيها - بأوصافها تلك - إلى سنة على الأقل سابقة على وفاة مستأجرها الأصلي أو تخليه عن سكنه أو لمدة تماثل تلك التي شغل خلالها هذا السكن، أيتهما أقل.

 

وحيث إن المدعين ينعون على النص المطعون فيه - في النطاق المتقدم - مخالفته المادة الثانية من الدستور تأسيساً على أن فقهاء الشريعة الإسلامية مجمعون على أن عقد الإيجار لا يكون إلا موقوتاً، فلا يتأبد. ولا يجوز بالتالي حمل المؤجر على تأجير العين بعد انتهاء مدة إجارتها، ولا أن يمتد هذا العقد إلى شخص يعد غريباً عن الإجارة ولا يتصور أن يقحم عليها.

 

وقد أخل النص المطعون فيه كذلك بالحدود التي ينبغي أن يتم تنظيم الملكية في نطاقها، وجاء مخالفاً بالتالي لأحكام المواد 7، 32، 34 من الدستور.

 

وحيث إن علو بعض النصوص القانونية على بعضها، يفيد بالضرورة تدرجها فيما بينها وفق ترتيبها، فلا يكون أدناها مقيداً لأعلاها، بل دائراً في إطاره. ولا كذلك النصوص التي ينتظمها الدستور، إذ تتحد جميعها في قوتها ومنزلتها ومدارجها، وتتساند كذلك فيما بينها، منشئة من مجموعها تلك الوحدة العضوية التي تضمنها، وتتحقق تماسكها، وتكفل انصرافها إلى الأغراض التي ربطها الدستور بها، فلا تتنافر توجهاتها، وإنما تعمل جميعها في إطار منظومة واحدة تتناغم قيمها وثوابتها، فلا يكون بعضها لبض نكيراً.

 

وحيث إن النصوص التي ينتظمها الدستور، تتوخى أن تحدد لأشكال من العلائق الاجتماعية والاقتصادية جانباً من مقوماتها، ولأنماط من التطور روافدها وملامحها؛ ولحقوق المواطنين وحرياتهم تلك الدائرة التي لا يجوز اقتحامها. ولا يتصور أن تكون نصوص الدستور - وتلك غاياتها - مجرد تصور لقيم مثالية ترنو الأجيال إليها، ولا تعبيراً في الفراغ عن آمال ترجوها وتدعو إليها، بل تتمحض عن قواعد قانونية تتسم بانتفاء شخصيتها، ولا يجوز بالتالي تجريدها من آثارها، ولا إيهانها من خلال تحوير مقاصدها، بعد أن أقام الدستور من النصوص التي تضمنها بنياناً مجتمعياً متكاملاً لا تنفصل أجزاؤه عن بعضها البعض. بل إن صدارة هذه النصوص على ما سواها من القواعد القانونية، يعليها فوقها، ويقدمها عليها ويدنيها لها؛ وهو ما يعني ضرورة التقيد بها وإنفاذ محتواها.

 

وحيث إن الدستور لا يدعو بالنصوص التي يتضمنها، لأمر يكون مندوباً، بل يقرر بها ما يكون لازماً، فلا يكون المشرع بالخيار بين تطبيقها أو إرجائها، بل يتقيد بها بالضرورة فلا يتخطاها أو يميل انحرافاً عنها. كذلك فإن القيود التي يفرضها الدستور على المشرع، هي التي تحدد نطاق السلطة التقديرية التي يملكها في موضوع تنظيم الحقوق، فلا تكون ممارستها انفلاتاً من كوابحها، أو إخلالاً بضوابط تنظيمها. ومن غير المتصور أن يكون التقيد بنصوص الدستور عائداً لمحض تقدير المشرع، ومحدداً على ضوء المصالح التي يستنسبها، ذلك أن القيد - في تطبيق أحكام الدستور - تعبير عن إرادة أعلى هي التي تستند السلطتان التشريعية والتنفيذية إليها في تأسيسها، فإذا نشأتا وفق الدستور، فذلك لتباشر كل منهما وظيفتها في الحدود التي رسمها، فلا تتحلل إحداهما منها، وإلا كان ذلك تمرداً من جانبها على ضوابط حركتها التي استقام بها بنيانها.

 

وحيث إن العدالة الاجتماعية وإن كانت من القيم التي تبناها الدستور، إلا أن مفهومها لا يناقض بالضرورة حق الملكية، ولا يجوز أن يكون عاصفاً بفحواه، وعلى الأخص في نطاق العلائق الإيجارية التي تستمد مشروعيتها الدستورية من التوازن في الحقوق التي كفلها المشرع لأطرافها. ذلك أن الملكية - بما يتفرع عنها من الحقوق - ينبغي أن تخلص لأصحابها، فلا يَنقًضّ المشرع على أحد عناصرها، ليقيم بنيانها على غير القواعد التي تتهيأ بها لوظيفتها الاجتماعية أسبابها. ولئن جاز القول بأن لكل حق وظيفة يعمل في إطارها ليتحدد مداه على ضوئها، إلا أن لكل حق كذلك دائرة لا يجوز اغتيالها حتى يظل الانتفاع به ممكناً. وكلما فرض المشرع على الحق قيوداً جائزة تنال من جدواه، فلا يكون بها إلا هشيماً، فإن التذرع بأن لهذه القيود دوافعها من وظيفته الاجتماعية، يكون لغواً.

 

وحيث إن التكامل بين النصوص الدستورية، مؤداه امتناع تعارضها وتماحيها، وتجانسها لا تهاترها، ضماناً لتحقيق المقاصد التي ترتبط بها، فلا يكون أحدها ناسخاً لسواه. وما قرره الدستور من تأسيس النظام الاشتراكي الديمقراطي على الكفاية والعدل، وبناء مصر لمجتمعها على ضوء التضامن الاجتماعي، لا يعني الإخلال بالملكية الخاصة أو نقض حرمتها بما مؤداه أن تنظيم المشرع للعلائق الإيجارية - لا يجوز أن يعطل حق من يملكون الأعيان المؤجرة في استغلالها أو استعمالها، ولا أن يحيط هذا الحق بتلك القيود التي تخرج بها الإجارة عن حقيقتها، وإلا كان ذلك تسلطاً على الملكية بما يخل بخصائصها، وبالأغراض التي توخاها الدستور من صونها، وهي بعد أغراض لا يسقطها التضامن الاجتماعي أو يجبها، بل يشد عضدها ويدعمها. تقديراً بأن هذا التضامن - في محتواه ومقاصده - لا يعدو أن يكون سلوكاً ومناهج للعمل تتخذ أشكالاً من التعاون تقيمها بين المواطنين؛ وصوراً من التراحم تكفل تقاربهم وتستنهض إيمانهم بوحدة مصالحهم، وتردهم جميعاً إلى كلمة سواء يتعايشون معها، فلا يتنازعون هضماً للحقوق، بل يتناصفون لإرسائها، والتقيد بالحدود التي رسمها الدستور لممارستها.

 

وحيث إن من المقرر قانوناً - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن حق الملكية - وباعتباره منصرفاً محلاً إلى الحقوق العينية والشخصية جميعها، وكذلك إلى حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية - نافذ في مواجهة الكافة ليختص صاحبها دون غيره بالأموال التي يملكها وتهيئة الانتفاع المفيد بها، لتعود إليه ثمارها وملحقاتها ومنتجاتها؛ وكان صون حرمتها مؤداه ألا تزول الملكية عن ذويها بانقطاعهم عن استعمالها؛ وألا يجردها المشرع من لوازمها؛ أو يفصل عنها بعض الأجزاء التي تكونها؛ أو ينال من أصلها أو يعدل من طبيعتها؛ أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وكان لا يجوز كذلك أن يتذرع المشرع بتنظيمها لتقويض محلها؛ فإن إسقاط الملكية عن أصحابها أو سلب غلتها - سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر - يعتبر عدواناً عليها يناقض ما هو مقرر قانوناً من أن الملكية لا تزول عن الأموال محلها، إلا إذا كسبها أغيار وفقاً للقانون.

 

وحيث إن السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، لازمها أن يفاضل بين بدائل متعددة مرجحاً من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها. إلا أن الحدود التي يبلغها هذا التنظيم لا يجوز بحال أن ينفلت مداها إلى ما يعد أخذاً للملكية من أصحابها A taking of property. سواء من خلال العدوان عليها بما يفقدها قيمتها، أو عن طريق اقتحامها مادياً. بل إن اقتلاع المزايا التي تنتجها، أو تهميشها مؤداه سيطرة آخرين فعلاً عليها Physical appropriation، أو تعطيل بعض جوانبها.

 

وحيث إن المشرع وإن قرر في مجال تنظيم العلائق الإيجارية، من النصوص القانونية ما ارتآه كافلاً للتوازن بين أطرافها، إلا أن هذا التوازن لا يجوز أن يكون صورياً أو منتحلاً. وكلما كان هذا التنظيم متحيفاً، بأن مال بالميزان في اتجاه أحد أطرافها تعظيماً للحقوق التي يدعيها أو يطلبها، كان ذلك انحرافاً عن إطارها الحق، أو نكولاً عن ضوابط ممارستها، فلا يستقيم بنيانها. ويقع ذلك بوجه خاص إذا كان تنظيم المشرع للحق في استعمال الشيء - وهو أحد عناصر حق الملكية - مدخلاً لإثراء مستأجر العين، وإفقار مالكها.

 

وحيث إنه فضلاً عما تقدم، لا يجوز أن يحصل المستأجر من خلال الإجارة، على حقوق لا يسوغها مركزه القانوني في مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وكان قرين الاستغلال، إذ ليس من المتصور أن يكون مغبون الأمس - وهو المستأجر - غابناً، ولا أن يكون تدخل المشرع شططاً قلباً لموازين الحق والعدل، فلا تتوافق - في إطار العلائق الإيجارية - مصالح طرفيها اقتصادياً، بل يختل التضامن بينهما اجتماعياً، ليكون صراعهما بديلاً عن التعاون بينهما.

 

كذلك لا يجوز أن يتحول حق المستأجر في استعمال العين - وهو حق مصدره العقد دائماً مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية وتحديد أبعادها بقوانين استثنائية - إلى نوع من السلطة الفعلية يسلطها المستأجر مباشرة على الشيء المؤجر مستخلصاً منه فوائده دون تدخل من المؤجر، إذ لو جاز ذلك، لخرج هذا الحق من إطار الحقوق الشخصية، وصار مشبهاً بالحقوق العينية، ملتئماً مع ملامحها. وهو ما يناقض خصائص الإجارة باعتبار أن طرفيها - وطوال مدتها - على اتصال دائم مما اقتضى ضبطها تحديداً لحقوقهما وواجباتهما، فلا يتسلط أغيار عليها انتهازاً وإضرار بحقوق مؤجرها، متدثرين في ذلك بعباءة القانون. ولأنها - فوق هذا - لا تقع على ملكية الشيء المؤجر، بل تنصب على منفعة يدرها، مقصودة في ذاتها، ومعلومة من خلال تعيينها، ولا ترتب للمستأجر بالتالي غير مجرد الحقوق الشخصية يباشرها قبل المدين.

 

وحيث إن من المفترض في الإجارة، أن يعتبر الحق فيها منقضياً بوفاة مستأجر العين الأصلي أو تخليه عنها، ليقوم بذلك حق مؤجرها في طلب إخلائها بعد انقطاع صلة المستأجر الأصلي بها، إلا أن المشرع أثر - بالنص المطعون عليه - أن ينقل منفعتها إلى ذوي قرباه نسباً حتى الدرجة الثالثة، مستبدلاً هؤلاء بمستأجرها الأصلي، لا بناء على تعاقد تم بينهما مثلما هو الأمر في شأن التأجير من الباطن أو التنازل عن الإجارة، بل بقوة القانون. ولا يعدو ذلك، أن يكون عدواناً على حق الملكية إخلالاً بأحد عناصرها، وافتئاتاً كذلك على ما هو مفترض من أن الأصل في النصوص القانونية التي اقتضها الضرورة، أن يكون إعمالها بقدر توافر موجباتها التي يعكسها - في نطاق النزاع الراهن - تصاعد أزمة الإسكان وغلوائها مما اقتضى تدخل المشرع بقيود استثنائية للحد منها، ومن ثم تكون هذه الضرورة مناطاً لسريان هذه القيود باعتبارها علة تقريرها، فلا تدور إلا معها.

 

وينبغي أن تظهر هذه الضرورة - في مجال تطبيقها على المساكن - في صورتها الضاغطة التي تسوغ تحميل المؤجر بتدابير من طبيعة استثنائية، فلا يجوز أن ينتحلها المشرع أو يتوهمها ليمد مجال عملها إلى فروض لا تسعها، ولا يمكن التسليم بها إلا بافتراض أن مصالح مستأجر العين - وذوي قرباه نسباً - تعلو دوماً - ووفقاً للدستور - حقوق مؤجرها وترجحها، فلا يتوازيان، حال أن الأصل في عقود القانون الخاص، ابتناؤها على علائق تتكافأ بشأنها مصالح أطرافها، فلا يميل ميزانها في اتجاه مناقض لطبيعتها، إلا بقدر الضرورة التي يتعين أن تخلي مكانها - عند فواتها - لحرية العاقد، وهي الأصل في العقود جميعها. ولا يجوز بالتالي النظر إلى القوانين الاستثنائية التي نظم بها المشرع العلائق الإيجارية بوصفها حلاً نهائياً ودائماً لمشكلاتها، فلا يتحول المشرع عنها، بل عليه أن يعيد النظر فيها، ذلك أن القيود التي يفرضها المشرع عليها، إنما تنال بصورة خطيرة من حق الملكية، ويكاد عصفها بمحتواها، أن يعطل تماماً أحد عناصرها ممثلاً في استعمال الشيء محلها.

 

وحيث إن الأقرباء نسباً - في مجال تطبيق النص المطعون فيه - يتربصون عادة بالمؤجر ختالاً، متخذين من إقامتهم في العين المؤجرة للمدة التي حددها المشرع، موطئاً لاستلابها، بعد توقعهم دنو أجل مستأجرها - لمرض أو لغيره - وكذلك إذا دعاهم مستأجرها أو رتبوا أوضاعهم لسكناها بعد أن أضمر نية الانتقال نهائياً منها، فإذا شغلها أحد هؤلاء الأقرباء بعد وفاة مستأجرها الأصلي أو التخلي عنها، انتقل حق الانتفاع بها - إذا توفى هذا القريب بدوره أو تركها - إلى من شاركوه سكناها من غيره من الأقرباء نسباً كلما توافرت في شأنهم الشروط التي حددها المشرع. ومن هؤلاء إلى آخرين بالشروط عينها فلا ينتزعها منهم أحد، بل تتصل أيديهم بها تعاقباً عليها، لا ينفكون عنها أو يبرحونها. ومن ثم يكون الاصطناع طريقهم للتسلط عليها، والانفراد بها من دون مؤجرها، فلا يفارقونها أبداً، ولو بعد العهد على العقد الأول، ما ظل زمامها بيد من يتداولونها، لا يتحولون عنها.

 

وليس ذلك إلا تعظيماً لحقوقهم يكاد أن ينقلب المكان المؤجر بها إرثاً يختصون بثماره دون وساطة من أحد، وهو ما يعدل انتزاع منافع الأعيان من ملاكها على وجه التأبيد. ومن غير المتصور أن يكون مؤجر العين - وهو يملكها في الأعم من الأحوال - قد عطل - مختاراً ونهائياً - حق استعمالها واستغلالها، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، ولا أن يكون طرفا الإجارة قد تلاقت إرادتاهما - ابتداء - على أن يُقحما أشخاصاً غرباء عنها، دخلاء عليها.

 

وحيث إن النص المطعون فيه، ينحدر كذلك بحقوق المؤجر إلى مرتبة الحقوق محدودة الأهمية، مرجحاً عليها مصالح لا تدانيها، ولا تقوم إلى جانبها أو تتكافأ معها. ومآل حمايتها حرمان مؤجر العين منها حرماناً مؤبداً، ترتيباً على انتقال منفعتها إلى الغير انتقالاً متتابعاً متصلاً ممتداً في أغوار الزمن، وهو بعد انتقال لا يعتد بإرادة المؤجر في معدنها الحقيقي. بل يقوم في صوره الأكثر شيوعاً على التحايل على القانون، والتدليس على المؤجر، وهو يعد التواء بالإجارة عن حقيقة مقاصدها، وإهداراً لتوازن لا يجوز أن يختل بين أطرافها.

 

وحيث إن ما تقدم مؤداه أن النص المطعون فيه، أنشأ حقوقاً مبتدأة - بعيدة في مداها - منحها لفئة بذاتها في أقرباء المستأجر الأصلي، اختصها دون مسوغ، واصطفاها في غير ضرورة. بتلك العاملة التفضيلية التي تقدم المنفعة المجلوبة على مخاطر المفاسد ودرء عواقبها، وتلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش، حال أن دفع المضرة أولى اتقاء لسوءاتها وشرورها، ولأن الأصل حين تتزاحم الأضرار على محل واحد، أن يكون تحمل أخفها لازماً دفعاً لأفدحها.

 

وكان ينبغي - من ثم - أن يترسم النص المطعون فيه تلك الضوابط التي تتوازن من خلالها العلائق الإيجارية بما يكون كافلاً لمصالح أطرافها، غير مؤد إلى تنافرها، ليقيمها على قاعدة التضامن الاجتماعي التي أرستها المادة 7 من الدستور. وهي بعد قاعدة مؤداها وحدة الجماعة في بنيانها واتساق توجهاتها، وتداخل مصالحها وتوافقها - لا تعارضها أو تنافرها - وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، وكذلك اتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، وتعاونهم سعياً لتقدم مجتمعهم، فلا يتفرقون بدداً، أو يتناحرون بغياً. وهم بذلك شركاء في مسئوليتهم قبله، لا يملكون التنصل منها أو ازدراءها، فلا يتقدم أحد على غيره انتهازاً، ولا ينال من الحقوق غير تلك التي أذن الدستور بها وحدد تخومها، فإذا جاوزها بعمل تشريعي، كان ذلك توكيداً لعلوه عدواناً، فلا تكون الحقوق التي كفلها الدستور لغيره إلا عصفاً مأكولاً.

 

وحيث إن النص المطعون فيه قد نقض بما تقدم، الأحكام المنصوص عليها في المواد 7 و32 و34 و40 من الدستور.

 

وحيث إن الفقرة الثالثة من المادة 29 المشار إليها، تلزم المؤجر - وفي كل الأحوال - بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في شغل العين، وكان حكمها هذا مرتبطاً بالأجزاء المطعون عليها من فقرتها الأولى، ارتباطاً لا يقبل التجزئة، فإنها تسقط في هذا النطاق، إذ لا يتصور تطبيقها، وقد غدا النص الذي تستند إليه لإعمالها منعدماً.

 

فلهذه الأسباب

 

حكمت المحكمة بعدم دستورية ما نصت عليه المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر من أن "وفيما عدا هؤلاء من أقارب المستأجر نسباً حتى الدرجة الثالثة، يشترط لاستمرار عقد الإيجار، إقامتهم في المسكن مدة سنة على الأقل سابقة على وفاة المستأجر أو تركه العين أو مدة شغله للمسكن أيتهما أقل".

وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.





وسط البلد - القاهرة - عمارة ناسيتا .


للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى                     للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى  

اتصل بنا