>

 

الحكم رقم 3 لسنة 18 ق (عدم دستورية ما نصت عليه المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977.)التشريع 49 لسنة 1977م - المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الموافق 4 يناير سنة 1997 م

 

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر -رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي - رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر -أمين السر.

 

القضية رقم 3 لسنة 18 قضائية "دستورية"

 

الإجراءات

 

بتاريخ 9 يناير سنة 1996 أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبين في ختامها الحكم بعدم دستورية كل من المادة 21 من القانون رقم 52 لسنة 1969، والمادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر - مع إلزام المطعون ضدهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

 

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً: بعدم قبول الدعوى، واحتياطياً: برفضها.

 

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

 

ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمة

 

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

 

حيث إن الوقائع - وعلى ما جاء بصحيفة الدعوى الدستورية - تتحصل فيما قرره المدعون من أن مورثتهم المرحومة توحيدة السيد حلمي كانت قد أجرت في 22/ 9/ 1961 - لمدة عام - الشقة رقم 5 بالعقار رقم 1 شارع الدكتور عبد العزيز إسماعيل بميدان تريومف بمصر الجديدة - بقصد استعمالها سكناً. وبانتهاء المدة المتفق عليها للإجارة، تركها مستأجرها ألبرت يعقوب فانوس، فقامت بتأجيرها لأخيه الفونس يعقوب فانوس الذي أستقل بها مع زوجته وأولاده. وبعد انتقال أولاده جميعهم إلى مساكنهم الخاصة، ظل هذا المستأجر وزوجته يقيمان وحدهما بها إلى أن توفى، لتنفرد هي بشغلها مع تردد أختها سعاد نجيب خليل أبو موسى عليها لزيارتها في هذا المسكن بصفة غير منتظمة.

 

وبتاريخ 15/ 9/ 1989 توفيت زوجة المستأجر الثاني، وبعد أن طلب نجلها مهلة لإخلاء عين النزاع، فوجئ المدعون بإنذار عرض أجرة من مستأجرها الأول الذي كان عقده في شأنها قد صار منتهياً، فرفض المدعون عرضه، ثم أقاموا ضده الدعوى رقم 17516 لسنة 1990 إيجارات شمال القاهرة بطلب الحكم بإخلاء العين من شاغليها وتسليمها.

 

وأثناء تداولها بالجلسات. توفى المدعى عليه ألبرت يعقوب فانوس، فعجل المدعون السير في الدعوى بعد انقطاعها، مختصمين فيها زوجته سعاد نجيب خليل أبو موسى، التي أقامت بدورها - ضد المدعين - الدعوى رقم 4844 لسنة 1992 إيجارات كلي شمال القاهرة، بطلب الحكم بثبوت علاقتها الإيجارية معهم. وقد ضمت محكمة شمال القاهرة الابتدائية هذه الدعوى إلى الدعوى رقم 17516 لسنة 1990 ليصدر فيها حكم واحد، ثم قضت في الدعوى الأصلية برفضها؛ وفي الدعوى الفرعية بثبوت العلاقة الإيجارية بينها والمدعى عليهم. فطعن المدعون في هذا الحكم باستئنافهم رقم 1069 لسنة 111 ق، ثم دفعوا - أثناء نظره - بعدم دستورية نص المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر؛ فقررت المحكمة - بتاريخ 9/ 12/ 1995 - تأجيل نظر استئنافهم لجلسة 14/ 1/ 1996 لتقديم ما يفيد الطعن بعدم الدستورية. ثم قضت بحكمها الصادر في 16/ 4/ 1996 بقبول استئنافهم شكلاً، وفي الموضوع بتعليق نظره لحين الفصل في الدعوى الدستورية رقم 4 لسنة 15 قضائية، مع إبقاء الفصل في المصروفات.

 

وحيث إن المدعين، وإن دفعوا أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية نص المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه، إلا أنهم حصروا نعيهم أمام المحكمة الدستورية العليا في أجزائها التي تتعلق بانتقال الإجارة إلى أقرباء المستأجر مصاهرة حتى الدرجة الثالثة إذا كانوا قد أقاموا بها - وإلى ما قبل وفاته - المدة التي عينها المشرع. ومن ثم يتحدد نطاق الطعن في هذه الأجزاء، فلا يجاوزها إلى أقرباء المستأجر نسباً.

 

وحيث إن المادة 29 من هذا القانون - وفي مجال تطبيقها بالنسبة لأقرباء المستأجر مصاهرة حتى الدرجة الثالثة، وعلى ضوء الحكمين الصادرين من المحكمة الدستورية العليا بتاريخي 18/ 3/ 1995 و6/ 7/ 1996 في الدعويين رقمي 6 لسنة 9 قضائية، و4 لسنة 15 قضائية على التوالي - أصبحت تنص على ما يأتي: مع عدم الإخلال يحكم المادة 8 من هذا القانون، لا ينتهي عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه العين، إذا بقى فيها زوجته أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون معه حتى الوفاة أو الترك. وفيما عدا هؤلاء من أقارب المستأجر مصاهرة حتى الدرجة الثالثة، يشترط لاستمرار عقد الإيجار، إقامتهم في المسكن مدة سنة على الأقل سابقة على وفاة المستأجر، أو مدة شغله للمسكن أيتهما أقل.

 

فإذا كانت العين مؤجرة لمزاولة نشاط تجاري أو صناعي أو مهني أو حرفي فلا ينتهي العقد بوفاة المستأجر، ويستمر لصالح ورثته.

 

وفي جميع الأحوال يلتزم المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في الاستمرار في شغل العين. ويلتزم هؤلاء الشاغلون بطريق التضامن بكافة أحكام العقد.

 

وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت الدعوى الماثلة بعدم قبولها من وجهين، أولهما: أن المدعين وإن كانوا قد دفعوا أمام المحكمة الاستئنافية بعدم دستورية نص المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، إلا أن هذه المحكمة لم تصرح لهم برفع الدعوى الدستورية، ذلك أن طلبها منهم تقديم الدليل على إقامتها، لا يدل على صدور هذا التصريح، ولا يفيد معناه. ثانيهما: أن الفصل في الدعوى الدستورية لن يكون له من أثر على طلباتهم في الدعوى الموضوعية، تأسيساً على أن المستأجر الأصلي الفونس يعقوب فانوس، قد توفى في 10/ 5/ 1974، وزالت قرابة المصاهرة التي كان يرتبط مع أخت زوجته منذ الوفاة، فلا تمتد إليها الإجارة امتداداً قانونياً.

 

وحيث إن هذا الدفع مردود في وجهه الأول، بأن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم دستورية نص قانوني لازم للفصل في النزاع المعروض عليها، لا يتعمق المسائل الدستورية التي يثيرها هذا النزاع، ولا يعتبر فصلاً فيها بقضاء قطعي، بل يعود الأمر في شأنها إلى المحكمة الدستورية العليا، لتزن وفقاً لمقاييسها جوهر المطاعن الدستورية وأبعادها، تحديداً لصحتها أو فسادها. وإذ تفصل محكمة الموضوع في جدية دفع مثار أمامها بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة، فإن قرارها في هذا الصدد إما يكون صريحاً أو مستفاداً ضمناً عن عيون الأوراق. ويعتبر قراراً ضمنياً بقبول الدفع، إرجاء الفصل في النزاع الموضوعي إلى أن تقدم المدعية ما يدل على رفع دعواها الدستورية، وكذلك تعليق حكمها فيه على الفصل في المسائل الدستورية التي أتصل بها.

 

ومردود في وجهه الثاني: بأن المصلحة الشخصية والمباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية لازماً للفصل في النزاع الموضوعي المتصل بها، وكان إبطال حق أقرباء المستأجر مصاهرة حتى الدرجة الثالثة في استمرار البقاء في العين المؤجرة بعد وفاة هذا المستأجر، مؤداه زوال حق هؤلاء الأفراد في شغلها وأن تعود إلى أصحابها خالية من حق الإجارة عليها، فإن المصلحة الشخصية والمباشرة في الدعوى الدستورية التي أقامها المدعون، تتوافر بإبطال هذا الحق إنهاء لوجوده.

 

وحيث إن المدعين ينعون على النص المطعون فيه - محدداً نطاقاً على النحو المتقدم - مخالفته أحكام المواد 2 و7 و32 و34 من الدستور، تأسيساً على عدة أوجه: أولها: أن وفاة أحد الزوجين، ينقلب بها المتوفى أجنبياً عن أقرباء الزوج الموجود على قيد الحياة، ذلك أن قرابة المصاهرة تزول بالوفاة أو الطلاق، بحسبانها قرابة اعتبارية موقوتة بقيام سبب إنشائها، والنص المطعون فيه يعني توريث الأقرباء بالمصاهرة حتى الدرجة الثالثة المسكن بدون وجه حق.

 

ثانيها: أن أحكام الشريعة الإسلامية تجعل الحق في الأموال مطلقاً جامعاً مانعاً، فلا يزاحم آخرون أصحابها في شيء منها، إلا لمصلحة أولى بالاعتبار، ودون ما إضرار بهم أو بورثتهم، والأصل في عقد الإيجار وفقاً لمبادئها ألا يشتمل على شرط يحل حراماً أو يحرم حلالاً. وأن يكون خالياً من الضرر والجهالة والخداع، وأن تتوافق الإرادتان على أحكامه، وعلى الأخص ما يتصل منها بمدة العقد، فلا تورث الإجارة بعد انتهاء المدة المتفق عليها، ولا تمتد بقوة القانون لتعلقها بالمنافع التي لا يكون قدرها معلوماً إلا إذا اتفق الطرفان على مدة الإجارة.

 

وثالثها: أن النص المطعون فيه رجح مصلحة أقرباء المستأجر بالمصاهرة حتى الدرجة الثالثة في شغل العين المؤجرة. على حق مالكها في استردادها بوفاة المستأجر الأصلي. وهو ما يمثل تغليباً لمصلحة مجلوبة على مضرة يجب دفعها، وإعلاءً لشأن أقرباء المستأجر المتوفى حتى الدرجة الثالثة تهويناً من حقوق المؤجر وورثته، وإقحاماً لغرباء على العلاقة الإيجارية.

 

وحيث إن مؤدي النص المطعون فيه، أنه فيما خلا الزوجة التي تستمر إجارة زوجها لصالحها - بعد وفاته - أياً كانت مدة إقامتها في العين التي استأجرها للسكنى، فإن غيرها من أقربائه مصاهرة لا يبقون فيها بعد وفاته ما لم تكن قرابتهم لهذا المستأجر حتى الدرجة الثالثة، وكانت إقامتهم فيها مستقرة معتادة لا يتخللها انقطاع غير عارض ينفي نية الاستيطان بها، ويؤكد صفتها الوقتية. وليس لازماً - وفقاً لهذا النص - أن يكون هؤلاء الأقرباء ممن يعولهم المستأجر أو يرعاهم، ولا أن تبدأ إقامتهم في العين المؤجرة مع بدء الإجارة التي أبرمها. بل يفيد هؤلاء جميعاً من حكم النص المطعون فيه، سواء أكان المستأجر المتوفى هو من عقد الإجارة ابتداء مع المؤجر، أم كان من توفى هو من أمتد هذا العقد قانوناً لمصلحته بعد وفاة المستأجر الأصلي، وبشرط أن تكون إقامتهم مع المستأجر مستقرة في هذا المسكن قبل الوفاة، وللمدة التي عينها المشرع.

 

وحيث إن من المقرر قانوناً - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن حق الملكية - وباعتباره منصرفاً محلاً إلى الحقوق العينية والشخصية جميعها، وكذلك إلى حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية - نافذ في مواجهة الكافة ليختص صاحبها دون غيره بالأموال التي يملكها وتهيئة الانتفاع المفيد بها، لتعود إليه ثمارها وملحقاتها ومنتجاتها؛ وكان صون حرمتها مؤداه ألا تزول الملكية عن ذويها بانقطاعهم عن استعمالها. ولا أن يجردها المشرع من لوازمها، أو يفصل عنها بعض الأجزاء التي تكونها، ولا أن ينال من أصلها أو يعدل من طبيعتها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ولا أن يتذرع بتنظيمها إلى حد هدم الشيء محلها. ذلك أن إسقاط الملكية عن أصحابها - سواء بطريق مباشر أو غير مباشر - عدوان عليها يناقض ما هو مقرر قانوناً من أن الملكية لا تزول عن الأموال محلها، إلا إذا كسبها أغيار وفقاً للقانون.

 

وحيث إن السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، لازمها أن يفاضل بين بدائل متعددة مرجحاً من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها، إلا أن الحدود التي يبلغها هذا التنظيم، لا يجوز بحال أن ينفلت مداها إلى ما يعد أخذاً للملكية من أصحابها A taking of property. سواء من خلال العدوان عليها بما يفقدها قيمتها، أو عن طريق اقتحامها مادياً. بل أن اقتلاع المزايا التي تنتجها، أو تهميشها، مؤداه سيطرة آخرين فعلاً عليها، physical appropriation، أو تعطيل بعض جوانبها.

 

وحيث إن المشرع وإن قرر في مجال تنظيم العلائق الإيجارية، من النصوص القانونية ما ارتآه كافلاً للتوازن بين أطرافها، إلا أن هذا التوازن لا يجوز أن يكون صورياً أو منتحلاً. وكلما كان هذا التنظيم متحيفاً بأن مال بالميزان في اتجاه أحد أطرافها تعظيماً للحقوق التي يدعيها أو يطلبها، كان ذلك انحرافاً عن إطارها الحق، أو نكولاً عن ضوابط ممارستها، فلا يستقيم بنيانها. ويقع ذلك بوجه خاص إذا كان تنظيم المشرع للحق في استعمال الشيء - وهو أحد عناصر حق الملكية - مدخلاً لإثراء مستأجر العين وإفقار مالكها.

 

وحيث إنه فضلاً عما تقدم، لا يجوز أن يحصل المستأجر من خلال الإجارة، على حقوق لا يسوغها مركزه القانوني في مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وكان قرين الاستغلال، إذ ليس من المتصور أن يكون مغبون الأمس - وهو المستأجر - غابناً، ولا أن يكون تدخل المشرع شططاً قلباً لموازين الحق والعدل، فلا تتوافق - في إطار العلائق الإيجارية - مصالح طرفيها اقتصادياً، بل يختل التضامن بينهما اجتماعياً، ليكون صراعهما بديلاً عن التعاون بينهما.

 

كذلك لا يجوز أن يتحول حق المستأجر في استعمال العين - وهو حق مصدره العقد دائماً حتى مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية وتحديد أبعادها بقوانين استثنائية - إلى نوع من السلطة الفعلية يسلطها المستأجر مباشرة على الشيء المؤجر، مستخلصاً منه فوائده دون تدخل من المؤجر، إذ لو جاز ذلك، لخرج هذا الحق من إطار الحقوق الشخصية، وصار مشبهاً بالحقوق العينية، ملتئماً مع ملامحها وهو ما يناقض خصائص الإجارة باعتبار أن طرفيها - وطوال مدتها - على اتصال دائم مما اقتضى ضبطها تحديداً لحقوقهما وواجباتهما، فلا يتسلط أغيار عليها انتهازاً وإضراراً بمؤجرها، متدثرين في ذلك بعباءة القانون. ولأنها - فوق هذا - لا تقع على ملكية الشيء المؤجر، بل تنصب على منفعة يدرها، مقصودة في ذاتها، ومعلومة من خلال تعيينها، ولا ترتب للمستأجر بالتالي غير مجرد الحقوق الشخصية يباشرها قبل المدين.

 

وحيث إن الحق في الإجارة لصيق أصلاً بشخص المستأجر، وكان ينبغي أن يعتبر هذا الحق منقضياً بوفاته، وأن يتوافر بها حق مؤجر العين في طلب إخلائها بعد انقطاع صلة هذا المستأجر بها، إلا أن المشرع آثر - بالنص المطعون عليه - أن ينقل منفعتها إلى ذوي قرباه مصاهرة حتى الدرجة الثالثة، مستبدلاً هؤلاء بمستأجرها، لا بناء على تعاقد تم بينهما مثلماً هو الأمر في شأن التأجير من الباطن أو التنازل عن الإجارة، بل بقوة القانون.

 

ولا يعدو ذلك، أن يكون عدواناً على حق الملكية إخلالاً بأحد عناصرها، وافتئاتاً كذلك على ما هو مفترض من أن الأصل في النصوص القانونية التي اقتضتها الضرورة، أن يكون إعمالها بقدر توافر موجباتها التي يعكسها - في نطاق النزاع الراهن - تصاعد أزمة الإسكان وغلوائها مما اقتضى تدخل المشرع بقيود استثنائية للحد منها، ومن ثم تكون هذه الضرورة مناط سريان هذه القيود باعتبارها علة تقريرها، فلا تدور إلا معها.

 

وينبغي أن تظهر هذه الضرورة - في مجال تطبيقها على المساكن - في صورتها الضاغطة التي تسوغ تحميل المؤجر بتدابير من طبيعة استثنائية، فلا يجوز أن ينتحلها المشرع أو يتوهمها ليمد مجال عملها إلى فروض لا تسعها، ولا يمكن التسليم بها إلا بافتراض أن مصالح مستأجر العين - وأصهاره من بعده - تعلو دوماً - ووفقاً للدستور - حقوق مؤجرها وترجحها، فلا يتوازيا حال أن الأصل في عقود القانون الخاص، ابتناؤها على علائق تتكافأ بشأنها مصالح أطرافها، فلا يميل ميزانها في اتجاه مناقض لطبيعتها، إلا بقدر الضرورة التي يتعين أن تخلي مكانها - عند فواتها - لحرية التعاقد، وهي الأصل في العقود جميعها. ولا يجوز بالتالي النظر إلى القوانين الاستثنائية التي نظم بها المشرع العلائق الإيجارية بوصفها حلاً نهائياً ودائماً لمشكلاتها، فلا يتحول المشرع عنها، بل عليه أن يعيد النظر فيها، ذلك أن القيود التي يفرضها المشرع عليها، إنما تنال بصورة خطيرة من حق الملكية، ويكاد عصفها بمحتواها، أن يعطل تماماً أحد عناصرها ممثلاً في استعمال الشيء محلها.

 

وحيث إن الأقرباء بالمصاهرة - في مجال تطبيق النص المطعون فيه - يتربصون عادة بالمؤجر ختالاً، متخذين من إقامتهم في العين المؤجرة للمدة التي حددها المشرع، موطئا لاستلابها، بعد توقعهم دنو أجل مستأجرها - لمرض أو لغيره - فإذا شغلها أحد هؤلاء الأقرباء بعد وفاة مستأجرها، انتقل حق الانتفاع بها - إذا توفى بدوره - إلى من شاركوه من أصهاره سكناها كلما توافرت في شأنهم الشروط التي حددها المشرع. ومن هؤلاء إلى آخرين بالشروط عينها فلا ينتزعها منهم أحد، بل تتصل أيديهم بها تعاقباً عليها، لا ينفكون عنها أو يبرحونها. ومن ثم يكون الاصطناع طريقهم للتسلط عليها، والانفراد بها من دون مؤجرها، فلا يفارقونها أبداً، ولو بعد العهد الأول، ما ظل زمامها بيد من يتداولونها، لا يتحولون عنها.

 

وليس ذلك إلا تعظيماً لحقوقهم يكاد أن ينقلب المكان المؤجر بها إرثاً يختصون بثماره دون وساطة من أحد، وهو ما يعدل انتزاع منافع الأعيان من ملاكها على وجه التأبيد.

 

ومن غير المتصور أن يكون مؤجر العين - وهو يملكها في الأعم من الأحوال قد عطل مختاراً ونهائياً - حق استعمالها واستغلالها، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، ولا أن يكون طرفاً الإجارة قد تلاقت إرادتاهما - ابتداء - على أن يقحما عليها أشخاص غرباء عنها، دخلاء عليها.

 

وحيث إن النص المطعون فيه، ينحدر كذلك بحقوق المؤجر إلى مرتبة الحقوق محدودة الأهمية، مرجحاً عليها مصالح لا تدانيها، ولا تقوم إلى جانبها أو تتكافأ معها. ومآل حمايتها حرمان مؤجر العين منها حرماناً مؤبداً ترتيباً على انتقال منفعتها إلى الغير انتقالاً متتابعاً متصلاً ممتداً في أغوار الزمن، وهو بعد انتقال لا يعتد بإرادة المؤجر في معدنها الحقيقي. بل يقوم في صوره الأكثر شيوعاً على التحايل على القانون، والتدليس على المؤجر، وهو ما يعد التواء بالإجارة عن حقيقة مقاصدها، وإهداراً لتوازن لا يجوز أن يختل بين أطرافها.

 

وحيث إن ما تقدم مؤداه أن النص المطعون فيه، أنشأ حقوقاً مبتدأه - بعيدة في مداها - منحها لفئة بذاتها من أقرباء المستأجر الأصلي، اختصها دون مسوغ، واصطفاها في غير ضرورة، بتلك المعاملة التفضيلية التي تقدم المنفعة المجلوبة على مخاطر المفاسد ودرء عواقبها، وتلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش، حال أن دفع المضرة أولى اتقاء لسوءاتها وشرورها، ولأن الأصل حين تتزاحم الأضرار على محل واحد، أن يكون تحمل أخفها لازماً دفعاً لأفدحها.

 

وكان ينبغي - من ثم - أن يترسم النص المطعون فيه تلك الضوابط التي تتوازن من خلالها العلائق الإيجارية بما يكون كافلاً لمصالح أطرافها، غير مؤد إلى تنافرها، ليُقيمها على قاعدة التضامن الاجتماعي التي أرستها المادة 7 من الدستور. وهي بعد قاعدة مؤداها وحدة الجماعة في بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقون بدداً، أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً. وهم بذلك شركاء في مسئوليتهم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلي عنها. وليس لفريق منهم أن ينال قدراً من الحقوق يكون بها - عدواناً - أكثر علواً ولا أن ينتحل منها ما يخل بالأمن الاجتماعي.

 

وحيث إن النص المطعون فيه قد نقض بما تقدم، الأحكام المنصوص عليها في المواد 7 و32 و34 و40 من الدستور.

 

وحيث إن الفقرة الثانية من المادة 29 المشار إليها تلزم المؤجر - وفي كل الأحوال - بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في شغل العين؛ وكان حكمها هذا مرتبطاً بالأجزاء المطعون عليها من فقرتها الأولى، ارتباطاً لا يقبل التجزئة؛ فإنها تسقط في هذا النطاق، إذ لا يتصور تطبيقها، وقد غدا النص الذي تستند إليه لإعمالها، منعدماً.

 

فلهذه الأسباب

 

حكمت المحكمة بعدم دستورية ما نصت عليه المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر من أن "وفيما عدا هؤلاء من أقارب المستأجر مصاهرة حتى الدرجة الثالثة، يشترط لاستمرار عقد الإيجار، إقامتهم في المسكن مدة سنة على الأقل سابقة على وفاة المستأجر أو مدة شغله للمسكن آيتهما أقل" وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 





وسط البلد - القاهرة - عمارة ناسيتا .


للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى                     للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى  

اتصل بنا