>

 

الحكم رقم 70 لسنة 18 ق (عدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977.)التشريع 49 لسنة 1977م - الفقرة الثالثة من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الموافق 3  نوفمبر سنة 2002 م

 

 

 

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ محمد فتحي نجيب - رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي وحضور السيد المستشار الدكتور/ عادل عمر شريف - رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

 

القضية رقم70 لسنة 18 قضائية "دستورية"

 

الإجراءات

 

بتاريخ السابع والعشرين من يونيو سنة 1996، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبين الحكم بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والأخيرة من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فيما تضمنتاه من عدم انتهاء عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه العين إذا بقيت فيها زوجته أو أولاده أو أي من والديه، الذين كانوا يقيمون معه حتى الوفاة أو الترك، وإلزام المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم حق الاستمرار في شغل العين.

 

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوى.

 

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

 

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمة

 

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

 

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعيين كانا قد أقاما على المدعى عليهم الرابع والخامسة الدعوى رقم 14328 لسنة 1989 إيجارات أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية ابتغاء الحكم بإخلائهما من الشقة المؤجرة إلى مورثهما، وقالا بياناً للدعوى أنه بموجب عقد إيجار مؤرخ 28/ 9/ 1957 استأجر مورث المدعى عليهما الشقة رقم 3 بالعقار المملوك لهما وإذ توفي إلى رحمة الله سنة 1969، فقد أقام المدعيان دعواهما المشار إليها، فواجهها المدعى عليهما بدعوى فرعية بطلب الحكم بإلزام المدعيين بتحرير عقد إيجار لهما عن العين المؤجرة لمورثهما استناداً إلى المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977. حكمت المحكمة في الدعوى الأصلية برفضها وفي الدعوى الفرعية بإلزام المدعيين في الدعوى الأصلية بتحرير عقد إيجار للمدعى عليهما الأخيرين عن شقة النزاع. طعن المدعيان على هذا الحكم بالاستئناف رقم 8100 لسنة 109 ق. وأثناء نظره دفع الحاضر عن المدعيين بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والأخيرة من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977. وبعد أن قدرت المحكمة جدية الدفع صرحت لهما بإقامة الدعوى الدستورية، فأقاما الدعوى الماثلة.

 

وحيث إن المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تنص في فقرتها الأولى - مقروءة على هدي أحكام هذه المحكمة في القضايا أرقام 56 لسنة 18 ق دستورية، 6 لسنة 9 ق. دستورية، 3 لسنة 18 ق. دستورية، 44 لسنة 17 ق. دستورية، 116 لسنة 18 ق. دستورية، - على أنه: - "لا ينتهي عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه العين إذا بقي فيها زوجه أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا معه حتى الوفاة أو الترك "وتنص في الفقرة الأخيرة على أن: - "وفي جميع الأحوال يلتزم المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في الاستمرار في شغل العين. ويلتزم هؤلاء الشاغلون بطريق التضامن بكافة أحكام العقد".

 

وحيث إن المدعيين ينعيان على النصين الطعينين خروجهما على أحكام الشريعة الإسلامية التي اتخذها الدستور في المادة الثانية المصدر الرئيسي للتشريع. كما ينعيان عليهما انتهاكهما للحماية الدستورية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة بمادتيه (32، 34)، فضلاً عن مخالفتهما لمبدأ التضامن الاجتماعي المنصوص عليه بالمادة السابعة من الدستور.

 

وحيث إنه عن النعي بمخالفة الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 للشريعة الإسلامية فإنه مردود، ذلك أنه ولئن كان القانون الأخير قد صدر في ظل حكم المادة الثانية من الدستور عندما كان يجرى نصها على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع" وقبل التعديل الدستوري الصادر سنة 1980، والذي جعل حكم هذا النص أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، بما يجعل النص الطعين بمنأى عن الخضوع للنص الدستوري الأخير، إلا أنه حتى لو خضع له، بتصور أن إحالة المادة (18) من القانون 136 لسنة 1981 إليه تؤدي إلى ذلك، فإن النعي عليه بمخالفة الشريعة الإسلامية يبقى مردوداً، ذلك أن النص في المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها في عام 1980 على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، يدل، وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة، على أنه لا يجوز لنص تشريعي يصدر في ظله أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معاً، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يمتنع الاجتهاد فيها لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية ثوابتها التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً، أما الأحكام غير القطعية في ثبوتها أو في دلالتها أو فيهما معاً، فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لمواجهة تغير الزمان والمكان، وتطور الحياة وتنوع مصالح العباد، وهو اجتهاد إن كان جائزاً ومندوباً من أهل الفقه، فهو في ذلك أوجب وأولى لولي الأمر ليواجه ما تقتضيه مصلحة الجماعة درءاً لمفسدة أو جلباً لمنفعة أو درءاً وجلباً للأمرين معاً.

 

إذ كان ذلك، وكان الحكم قطعي الثبوت في شأن العقود كافة، هو النص القرآني الكريم: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" آية رقم (1) سورة المائدة، وقد اختلف الفقهاء اختلافاً كبيراً فيما هو مقصود بالعقد في تفسير الآية الكريمة، ونضحت كتب المفسرين بهذا الاختلاف الذي كشف عن ظنية دلالة النص بالرغم من قطعية ثبوته، وَرَجُحَ متفقاً عليه بعد كل خلاف أن النص قد تضمن أمراً بتنفيذ العقود قاطبة وإنفاذ آثارها، هو أمر يشمل عقد الزواج الذي عنى العزيز الحكيم بترتيب أحكامه، كما يشمل العقود المالية التي اتفق الفقهاء على أن إرادة المتعاقدين فيها لها سلطات ما دامت لا تخالف أمراً مقرراً بنص قطعي في ثبوته ودلالته.

 

وحيث إن عقد الإيجار قد رحبت الآفاق فيه لاجتهاد الفقهاء وحدهم، وقادهم اجتهادهم في شأن مدته إلى القول بوجوب أن يكون مؤقتاً، أما المدة التي يؤقت إليها فقد اختلفوا فيها اختلافاً شديداً، ومن ذلك قولهم أنه يجوز أنه يجوز إجازة العين المدة التي يعيش إليها المتعاقدان عادة، كما أن التأقيت قد يكون بضرب أجل ينتهي بحلوله العقد، أو يجعل أجله مرهوناً بحدوث واقعة محمولة على المستقبل.

 

وحيث إن نص الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977 - المطعون عليها - إذ يجري على أنه "لا ينتهي عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه العين إذا بقي فيها زوجه أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون معه حتى الوفاة أو الترك"، فإن النص بذلك يتصل في حكمه بحكم المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 الذي يجرى صدورها على أنه "لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلال المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأحد الأسباب الآتية..........". وفي بيان هذه الأسباب يأتي البند (ج) من هذه المادة لينص على أن من بينها: "ج - إذا ثبت أن المستأجر قد تنازل عن المكان المؤجر......... أو............. أو............. وذلك دون إخلال بالحالات التي يجيز فيها القانون للمستأجر تأجير المكان مفروشاً أو تركه لذوي القربى وفقاً لأحكام المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977"، بما مؤداه أن المشرع إذ قرر امتداداً قانونياً لعقد الإيجار في شأن المستأجر الأصلي وفقاً لحكم المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة1981، فإنه قد سحب هذا الامتداد إلى زوجه وأولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون معه في العين المؤجرة حتى وفاته أو تركه العين، بحيث تغدو المسألة الدستورية المطروحة هي بيان ما إذا كان امتداد العقد حتى نهاية إقامة ذوي القربى المشار إليهم في الفقرة الأولى المطعون عليها، بالوفاة أو الترك، هي تأبيد لعقد الإيجار أم أنه يظل مؤقتاً مرهوناً أجله بحدوث واقعة محمولة على المستقبل.

 

وحيث إن امتداد عقد الإيجار إلى ذوي القربى المنصوص عليهم في الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977 لا ينفي خضوعهم لأسباب الإخلاء المنصوص عليها في المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 إذا توافرت شروط إحداها، فينتهي العقد بتوافر هذا السبب، كما يتصل بذلك أن يطلب آخر من تقرر الامتداد لمصلحته منهم إنهاء العقد، ثم يتحقق التأقيت النهائي للعقد بوفاة آخر من تقرر الامتداد القانوني لمصلحته من ذوي القربى المشار إليهم أو تركه العين المؤجرة، إذ كان ذلك كله، فإن نص الفقرة الأولى من المادة (29) المطعون عليه، لا يكون قد خرج عن دائرة تأقيت عقد الإيجار، بحمل انتهائه على وقائع عديدة أقصاها وفاة آخر من امتد العقد لمصلحته من ذوي قرابة المستأجر الأصلي المحددين في النص الطعين، أو تركه العين المؤجرة، ويكون النص المطعون عليه بذلك وفيما أتاه من حكم حتى لم يخرج عن دائرة ما اجتهد فيه الفقهاء - وكان له أن يخرج - ولم يخالف حكماً شرعياً قطعي الثبوت والدلالة، بما لا يكون معه قد خالف الشريعة الإسلامية بأي وجه من الوجوه.

 

وحيث إنه عن النعي بمساس نص الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 بحق الملكية وإخلاله بمبدأ التضامن الاجتماعي، فإنه بدوره مردود، ذلك أن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه ولئن كان الدستور قد كفل حق الملكية الخاصة، وحوطه بسياج من الضمانات التي تصون هذه الملكية وتدرأ كل عدوان عليها، إلا أنه في ذلك كله لم يخرج عن تأكيده على الدور الاجتماعي لحق الملكية، حيث يجوز تحميلها ببعض القيود التي تقتضيها أو تفرضها ضرورة اجتماعية، وطالما لم تبلغ هذه القيود مبلغاً يصيب حق الملكية في جوهره أو يعدمه جل خصائصه، إذ كان ذلك وكان ما أملى على المشرع المصري تقرير قاعدة الامتداد القانوني لعقد الإيجار، سواء للمستأجر الأصلي أو ذوي قرباه المقيمين معه ممن حددتهم الفقرة الأولى المشار إليها، هو ضرورة اجتماعية شديدة الإلحاح تمثلت في خلل صارخ في التوازن بين قدر المعروض من الوحدات السكنية وبين حجم الطلب عليها، وهو خلل باشرت ضغوطه الاجتماعية آثارها منذ الحرب العالمية الثانية، وكان تجاهلها يعني تشريد آلاف من الأسر من مأواها بما يؤدي إليه ذلك من تفتيت في بنية المجتمع وإثارة الحقد والكراهية بين فئاته ممن لا يملكون المأوى ومن يملكونه، وهو ما يهدر مبدأ التضامن الاجتماعي، لذلك فقد تبنى المشرع المصري قاعدة الامتداد القانوني لعقد الإيجار منذ التشريعات الاستثنائية لإيجار الأماكن الصادرة أثناء الحرب العالمية الثانية، وحتى النص الطعين مراعياً في سريان الامتداد إلى ذوي قربة المستأجر المحددين في النص الطعين أنهم كانوا محل اعتبار جوهري عند التعاقد، وقد قصد المشرع بذلك كله أن يصون للمجتمع أمنه وسلامته محمولين على مبدأ التضامن الاجتماعي.

 

وحيث إنه يبين إنه مما تقدم أن نص الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 لم يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، ولم يتضمن مساساً بحق الملكية الخاصة أو إخلالاً بمبدأ التضامن الاجتماعي، وإذ كان لا يخالف أي نص دستوري آخر، فإنه يتعين القضاء برفض الطعن عليه.

 

وحيث إنه عن النعي بمخالفة نص الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 للشريعة الإسلامية. ومساسه بحق الملكية الخاصة ومخالفته لمبدأ التضامن الاجتماعي، فإنه إذ جرى حكم هذا النص على أنه "وفي جميع الأحوال يلتزم المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق في الاستمرار في شغل العين. والتزم هؤلاء الشاغلون بطريق التضامن بكافة أحكام العقد" فإن حقيقة هذا الحكم، وفي إطار عبارات النص، لم تتجاوز حدود حكم الفقرة الأولى من المادة (29) الذي انتهت المحكمة - على ما سلف - إلى دستوريتها، ذلك أن الأمر لم يتجاوز بهذا الحكم أن يُمنح من استمر عقد الإيجار لمصلحته من أقارب المستأجر الأصلي الذين عينتهم الفقرة الأولي، سنداً لشغله العين المؤجرة، ويتمثل هذا السند في عقد الإيجار الذي ألزم النص المؤجر بتحريره، كما قرر تضامناً بين الأقارب شاغلي العين فيما يتعلق بالالتزامات الناشئة عن هذا العقد، وفي هذا الإطار وحده تغدو الأسباب التي كشفت عن موافقة حكم الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977، للدستور وعدم تعارضها مع أي من أحكامه، هي بذاتها الأسباب التي يتساند إليها الإبقاء على نص الفقرة الثالثة من المادة (29) المشار إليها في حدود العبارات التي أوردتها.

 

وحيث إنه ولئن كان ما تقدم إلا أن إلزام المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن عينتهم الفقرة الأولى من المادة (29) المشار إليها، وبالشروط الواردة في هذه الفقرة، وتوقف نص الفقرة الثالثة من المادة (29) عند هذا الحد، من شأنه أن يفضي بهذا النص إلى دائرة عدم الدستورية، ذلك أن الانتقال بالعقد الذي حرر لمصلحة أي من أقارب المستأجر الأصلي المحددين على النحو سالف الذكر من أن يكون سنداً لشغله العين، لأن يصبح عقداً منشئاً لعلاقة إيجارية جديدة، المستأجر الأصلي فيها هو القريب الذي حرر العقد لمصلحته، مؤداه أن يسرى حكم الفقرة الأولى من المادة (29) على أقارب هذا القريب المقيمين معه - حسبما حددهم هذا النص - عند وفاته أو تركة العين، بما يترتب عليه نهوض حكم الفقرة الثالثة ليلزم المؤجر بتحرير عقد إيجار جديد لهم أو لأيهم، ثم يستمر الأمر متتابعاً في حكمه، متعاقباً من جيل إلى جيل، لتحل به نتيجة محققة هي فقدان المؤجر - وبتقدير أنه المالك للعين المؤجرة أو للحق في التأجير - جل خصائص حق الملكية على ما يملكه، وفيما يتجاوز أية ضرورة اجتماعية تجيز تحميل حق الملكية بهذا القيد، ذلك أن القيد الذي يحتمله حق الملكية في هذا الشأن، هو تقرير امتداد قانوني لعقد الإيجار يستفيد منه المستأجر الأصلي وفقاً لحكم المادة (18) من القانون 136 لسنة 1981 كما يستفيد منه ذوو قرباه المقيمون معه من زوج وأبناء ووالدين وفقاً لحكم الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977، حيث كانت إقامتهم معه محل اعتبار جوهري عند التعاقد، بما ينهض مبرراً لهذا القيد وفي إطار أزمة الإسكان التي جعلت المعروض من وحداته دون حجم الطلب عليها، فإذا تجاوز الأمر هذا الحد، وانقلب القيد الذي تبرره هذه الضرورة الاجتماعية إلى فقدان المؤجر جل خصائص حق الملكية على العين المؤجرة، ولمصلحة من لم تشملهم الفقرة الأولى من ذات النص ولم يكن محل اعتبار عند التعاقد على التأجير، فإن الأمر يغدو عدواناً على حق الملكية الخاصة وهو ما يتعارض مع الأوضاع الخاصة بهذا الحق والحماية المقررة له بموجب أحكام المادتين (32، 34) من الدستور، ويوقع حكم الفقرة الثالثة من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في حمأة مخالفة الدستور، وهي مخالفة توجب القضاء بعدم دستوريتها فيما لم تتضمنه من النص على انتهاء عقد الإيجار الذي يلتزم المؤجر بتحريره لأقارب المستأجر الأصلي المقيمين معه وقت وفاته أو تركه العين والمحددين في الفقرة الأولى من المادة (29) من ذات القانون، بانتهاء إقامة آخر هؤلاء الأقارب، سواء بالوفاة أو تركه العين.

 

وحيث إن مقتضى حكم المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، هو عدم تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته على الوقائع اللاحقة لليوم التالي لتاريخ نشر الحكم الصادر بذلك، وكذلك على الوقائع السابقة على هذا النشر إلا ما استقر من حقوق ومراكز صدرت بشأنها أحكام حازت قوة الأمر المقضى، أو إذا حدد الحكم الصادر بعدم الدستورية تاريخاً آخر لسريانه، لما كان ذلك وكان إعمال الأثر الرجعي للحكم بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977 وعلى ما انتهت إليه المحكمة في هذه الأسباب، مؤداه إحداث خلخلة اجتماعية واقتصادية مفاجئة، تصيب فئات عريضة من القاطنين بوحدات سكنية تساندوا في إقامتهم بها إلى حكم هذا النص قبل القضاء بعدم دستوريته، وهي خلخلة تنال من الأسرة في أهم مقومات وجودها المادي، وهو المأوى الذي يجمعها وتستظل به، بما تترتب عليه آثار اجتماعية تهز مبدأ التضامن الاجتماعي الذي يقوم عليه المجتمع وفقاً لما نصت عليه المادة السابعة من الدستور، إذا كان ذلك فإن المحكمة ترى إعمال الرخصة المخولة لها بنص الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانونها، وتحدد لسريان هذا الحكم تاريخاً آخر هو اليوم التالي لنشره، بما مؤداه أن جميع العقود التي أبرمت قبل هذا التاريخ إعمالاً لحكم الفقرة الثالثة من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977، وتنزل منزلتها الوقائع التي ترتب عليها قيام التزام على المؤجر بتحرير عقود إيجار، فتعد عقوداً قائمة حكماً - حيث كان يجب تحريرها -، وتظل قائمة ومنتجة لكافة آثارها القانونية وفقاً لنص الفقرة الثالثة من المادة (29) المشار إليها.

 

فلهذه الأسباب

 

حكمت المحكمة:

 

أولاً: بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، فيما لم يتضمنه من النص على انتهاء عقد الإيجار الذي يلتزم المؤجر بتحريره لمن لهم الحق في شغل العين، بانتهاء آخرهم بها، سواء بالوفاة أو الترك، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة .

ثانياً: بتحديد اليوم التالي لنشر هذا الحكم تاريخاً لإعمال أثره .





وسط البلد - القاهرة - عمارة ناسيتا .


للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى                     للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى  

اتصل بنا