>

 

الحكم رقم 29 لسنة 18 ق (عدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة 82 من القانون رقم 49 لسنة 1977.)التشريع 49 لسنة 1977م - الفقرة الأولى من المادة 82 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر .

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الموافق  3 يناير 1998 م

 

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر - رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد ولي الدين جلال وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري وعدلي محمود منصور، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي - رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر - أمين السر.

 

القضية رقم 29 لسنة 18 ق "دستورية"

 

الإجراءات

 

تاريخ 4 أبريل سنة 1996، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية المادة 82 من القانون رقم 49 لسنة 1977، وذلك فيما تضمنته من افتراض علم المؤجر أو البائع أو الممكن بالعقد السابق الصادر من نائبه أو من أحد شركائه أو نائبيهم.

 

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

 

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

 

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

 

 

المحكمة

 

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

 

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد اتهمت المدعي وآخر في القضية رقم 5723 لسنة 1992 جنح قسم دمياط، بأنهما قاما في 20/ 4/ 1992 بدائرة قسم دمياط، بتأجير المكان المبين بالتحقيقات على خلاف مقتضى العقد السابق المبرم بشأنها. وطلبت معاقبتهما بالمادتين 82، 84 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر المستأجر. وقد أدانتهما محكمة جنح دمياط حضورياً للأول وغيابياً للثاني بتغريم كل منهما ألف جنيه والمصروفات، فاستأنف المدعي هذا الحكم برقم 1494 لسنة 1996 جنح مستأنف دمياط. وأثناء نظره، دفع المدعي بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة 82 من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه التي تفترض علم المؤجر بالعقد السابق الصادر من نائبه أو أحد شركائه في العقار. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه، فقد صرحت برفع الدعوى الدستورية، فأقامها.

 

وحيث إن المادة 82 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تقضي بما يأتي: -

 

فقرة أولى: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أجر مكاناً أو جزءاً منه أو باعه، ولو بعقد غير مشهر، أو مكن أخر منه وكان ذلك التأجير أو البيع أو التمكين على خلاف مقتضى عقد سابق، ولو غير مشهر، صادر منه أو من نائبه أو من أحد شركائه أو نائبيهم ويفترض علم هؤلاء بالعقد السابق الصادر من أيهم.

 

فقرة ثانية: ويعاقب بالعقوبة السابقة من يسبق إلى وضع يده، أو يشرع في ذلك على خلاف مقتضى العقد السابق عليه، قبل استصدار حكم بأفضليته من القضاء المختص، ويفترض علم هذا المتعرض بالتعاقد السابق إذا كان زوجاً لمن تعاقد معه أو من مكنه أو كان من أصوله أو فروعه، أو من أقاربه أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة".

 

وحيث إن المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تنص على أن "يعاقب بعقوبة جريمة النصب المنصوص عليها في قانون العقوبات، المالك الذي يتقاضى بأية صورة من الصور، بذاته أو بالوساطة أكثر من مقدم عن ذات الوحدة أو يؤجرها لأكثر من مستأجر، أو يبيعها لغير من تعاقد معه على شرائها. ويبطل كل تصرف بالبيع لاحق لهذا التاريخ ولو كان مسجلاً.

 

ويعاقب بذات العقوبة المالك الذي يتخلف دون مقتض عن تسليم الوحدة في الموعد المحدد فضلاً عن إلزامه بأن يؤدي إلى الطرف الآخر مثلي مقدار المقدم وذلك دون إخلال بالتعاقد وبحق المتعاقد وبحق المستأجر في استكمال الأعمال الناقصة وفقاً لحكم الفقرة الأخيرة من المادة 13 من القانون رقم 49 لسنة 1977.

 

ويكون ممثل الشخص الاعتباري مسئولاً عما يقع منه من مخالفات لأحكام هذه المادة".

 

وعملاً بالفقرة الأولى من المادة 24 من هذا القانون، تلغى جميع العقوبات المقيدة للحرية - وفيما عدا العقوبة المقررة لجريمة خلو الرجل - المنصوص عليها في القوانين المنظمة لتأجير الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك دون إخلال بأحكام المادة السابقة.

 

وحيث إن مؤدى ما تقدم من نصوص، أن جريمة تأجير مكان أو جزء منه أو بيعه أو تمكين آخر منه على خلاف مقتضى عقد سابق - ولو كان غير مشهر - صادر من المؤجر أو البائع أو الممكن أو من نائبة أو من أحد شركائه أو نائبيهم، ما فتئت قائمة، مقتصرة عقوبتها على الغرامة، وفي إطار حديها اللذين قررتهما المادة 82 أنفة البيان.

 

وحيث إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - ارتباطها عقلاً بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان من المقرر أن نطاق الطعن بعدم الدستورية إنما يتحدد بنطاق الدفع الذي أبداه المدعي أمام محكمة الموضوع؛ وكان البين من الأوراق أن التهمة التي نسبتها النيابة العامة إلى المدعي تتحصل في تأجير الشقة محل الاتهام إلى المتهم الثاني، وهو على علم بسبق قيام شريكه على الشيوع في ملكيتها بتأجيرها إلى آخر؛ وكان الدفع بعدم الدستورية المبدي منه، قد اقتصر على ما تعلق من النص المطعون فيه بواقعة التأجير، فإن نطاق الطعن الماثل لا يجاوز ما يتصل بهذه الواقعة ذاتها من افتراض علم المؤجر بالعقد السابق الصادر من نائبه أو من شريكه أو نائبيهم.

 

وحيث إن المدعي ينعي على الفقرة الأولى من المادة 82 المطعون فيها أن افتراضها علم المؤجر بالعقد السابق على تأجيرها الجديد، يعد إهداراً لأصل البراءة المقرر بمقتضى نص المادة 67 من الدستور، حال أن هذا الأصل أحد الركائز الجوهرية التي لا تقوم المحاكمة المنصفة بدونها، ويعتبر لازماً لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة، ومتطلباً لصون الحرية الشخصية في مجالاتها الحيوية بما يحول دون اعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل، وبما يرد المشرع عن افتراض ثبوتها من خلال قرينة قانونية يحدثها. هذا فضلاً عن أن جريمة التأجير أو البيع أو التمكين على خلاف مقتضى عقد سابق، من الجرائم العمدية التي يعتبر القصد الجنائي ركناً فيها، وكان لازماً بالتالي أن تتحقق المحكمة بنفسها - وعلى ضوء تقديرها للأدلة التي تطرح عليها - من علم المتهم بحقيقة الأمر في شأن كل واقعة تقوم عليها الجريمة، وأن يكون هذا العلم يقينياً، لا ظنياً أو افتراضياً.

 

وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 67 من الدستور تنص على أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه.

 

وحيث إن القرائن القانونية جميعها تعتبر من عمل المشرع، وهو يفرضها في مجال الجريمة باعتبارها قواعد تتعلق بإثباتها Evidentiary rules غايتها افتراض واقعة بذاتها - لا تكتمل أركان الجريمة بعيداً عنها - واعتبارها ثابتة بحكم القانون، فلا يكون أمام المتهم إلا نفيها، وهي بذلك تقصر عن أن تؤكد بصفة نهائية صحة الواقعة التي افترضها المشرع باعتبار أن الأصل هو جواز هدمها Rebuttable presumption.

 

وحيث إن افتراض براءة المتهم، لا يعدو أن يكون استصحاباً للفطرة التي جبل الإنسان عليها، وشرطاً لازماً للحرية المنظمة يكرس قيمها الأساسية التي لا يتصور أن تنفصل الجماعة عنها. وهو كذلك وثيق الصلة بالحق في الحياة، وبدعائم العدل التي تقوم على قواعدها النظم المدنية والسياسية جميعها. ومن ثم كان أصل البراءة جزءاً من خصائص النظام الاتهامي Accusatorial system لازماً لحماية الحقوق الرئيسية التي كفلتها المادة 67 من الدستور لكل متهم، مرددة بها نص المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والفقرة الثانية من المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، بما مؤداه أن هذه البراءة لا يجوز تعليقها على شرط يحول دون إنفاذ محتواها؛ ولا تعطيلها من خلال اتهام يكون متهاوياً، ولا نقضها سواء بإعفاء النيابة من التزامها بالتدليل على صحة اتهامها، أو عن طريق تدخلها هي أو غيرها للتأثير دون حق في مسار الدعوى الجنائية ومحصلتها النهائية. بل إن الإخلال بها - وباعتبارها مبدأ بديهياً - An Axiomatic Precept يعد خطأ لا يغتفر A prejudicial Error مستوجباً نقض كل قرار لا يتوافق معها.

 

وحيث إن أصل البراءة يعتبر بذلك جزءاً لا يتجزأ من محاكمة تتم إنصافاً باعتباره متسانداً مع عناصر أخرى تشكل مقوماتها، وتمثل في مجموعها حداً أدنى من الحقوق اللازمة لإدارتها، ويندرج تحتها أن يكون لكل من المتهم وسلطة الاتهام، الوسائل عينها التي يتكافأ بها مركزيهما سواء في مجال دحض التهمة أو إثباتها؛ وهي بعد حقوق لا يجوز الحرمان منها أو تهميشها سواء تعلق الأمر بشخص يعتبر متهماً أو مشتبهاً فيه. وقد أقرتها الشرائع جميعها - لا لتُظل المذنبين بحمايتها - وإنما لتدرأ بمقتضاها وطأة الجزاء المقرر للجريمة التي خالطتها شبهة ارتكابها بما يحول دون القطع بوقوعها ممن أسند إليهم الاتهام بإتيانها، إذ لا يعتبر هذا الاتهام كافياً لهدم أصل البراءة، ولا مثبتاً لواقعة تقوم بها الجريمة، ولا حائلاً دون التدليل عليها، بل يظل هذا الأصل قائماً إلى أن يُنقض من خلال حكم قضائي صار باتاً بعد أن أحاط بالتهمة عن بصر وبصيرة، وخلص إلى أن الدليل على صحتها - بكل مكوناتها - كان نقياً متكاملاً.

 

وحيث إن ما يعني أن كل جريمة يُدَّعى ارتكابها، لا يجوز إثباتها دون دليل جازم ينبسط على عناصرها جميعاً، ولا يجوز كذلك افتراض ثبوتها - ولو في أحد عناصرها ما كان منها مادياً أو معنوياً - من خلال قرينة قانونية ينشئها المشرع اعتسافاً. ودون ذلك لا يكون أصل البراءة إلا وهماً.

 

وحيث إن من المقرر كذلك أن دستورية النصوص القانونية التي ينشئها المشرع في المجال الجنائي، تفترض صدور قانون يكون محدداً للجرائم التي أنشأتها، ومقرراً عقوباتها بما لا تجهيل فيه وبما لا يجاوز الضرورة؛ ودون إخلال كذلك بحقوق الدفاع بشأن نفيها، وبمراعاة أن النصوص العقابية الأكثر سوءاً - بالنظر إلى مضمونها - لا يجوز سريانها بأثر رجعي. وكلما أهدر المشرع - من خلال قرينة قانونية أحدثها - افتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه، كان ذلك إخلالاً بوسائل دفعها، وإهداراً لتوازن بين الحقوق التي يملكها لدحضها، وتلك التي تحوزها سلطة الاتهام لإثباتها.

 

وحيث إن افتراض البراءة يبدو أكثر ضرورة في مجال حقوق الدفاع بالنظر إلى أن الوسائل الإجرائية التي تملكها النيابة العامة في مجال إثباتها للجريمة، تدعمها موارد ضخمة يقصر المتهم عنها، ولا يوازنها إلا افتراض البراءة لضمان ألا يدان عن الجريمة ما لم يكن الدليل عليها مبرءاً من كل شبهة لها أساسها Dans la doute, on acquitte ولا يجوز بالتالي أن تفسر النصوص العقابية، باعتبارها نافية لأصل براءة المتهمين بمخالفتها، ولا منهية لضرورة أن يكون الدليل على الإخلال بها منتجاً ومؤثراً، بل يكون لكل متهم - وارتكاناً إلى هذا الأصل - أن يظل "ابتداء" صامتاً، وأن يفيد "انتهاء" مما يعتبر شكاً معقولاً Doute raisonable محيطاً بالتهمة من جهة ثبوتها.

 

وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 82 المطعون عليها، تدل على أن الجريمة المنصوص عليها فيها جريمة عمدية، مناطها قيام شخص بتأجير عين بذاتها أو جزء منها ولو بعقد غير مشهر كلما كان هذا التأجير يناقض عقداً سابقاً صادراً عنه، أو عن نائبه، أو عن أحد شركائه، أو نائبيهم. ومن ثم يكون القصد الجنائي ركناً معنوياً في هذه الجريمة لازماً لثبوتها.

 

بيد أن المشرع قدر أن التعاقد الجديد المناقض للعقد السابق، قد لا يكون صادراً عمن دخل في العقد الأول، بل عن نائبه أو أحد شركائه أو عن وكيل لأيهما، فافترض علم هؤلاء جميعاً بالعقد السابق، وكأنهم جميعاً شخص واحد يقدر لأموره عواقبها، ويزنها في إطار من القيود التي حدد بها المشرع نطاق الأعمال التي يجوز أن يباشرها، وهو افتراض لا دليل عليه، ومؤداه إعفاء النيابة العامة من التزامها بتقديم الدليل على علم المؤجر بالتعاقد السابق الصادر من نائبه أو من شريكه في العين التي يملكانها. وتلك هي القرينة القانونية التي أقحمها المشرع على افتراض البراءة بما ينال من الحرية الشخصية التي تمثل النصوص العقابية أخطر القيود عليها، والتي يعتبر ضمانها ضد كل صور التحامل والتسلط لازماً لصونها، وعلى الأخص في إطار محاكمة جنائية يعتبر إنصافها شرطاً لاستقامتها من الناحية الدستورية، وتوكيداً لضرورة أن يكون زمامها بيد محكمة الموضوع وحدها، فلا يكون قضاؤها فيها منفصلاً عن أعمال التحقيق التي تجريها بنفسها، والتي تستخلص منها اقتناعها بقيام الجريمة المدعى بها أو انتفائها.

 

وحيث إنه لما تقدم، تكون الفقرة المطعون عليها مخالفة لأحكام المواد 41، 67، 69، 86، 165 من الدستور. والقول بأن الأحكام التي تضمنها القانون رقم 4 لسنة 1996 في شأن سريان قواعد القانون المدني على صور بذواتها من العلائق الإيجارية، وإهدار كل قاعدة على خلافها، تعتبر أصلح للمتهم في مجال تطبيقها على النزاع الماثل، مردود بما جرى قضاء هذه المحكمة على أن اتفاق القانونين اللاحق والسابق مع أحكام الدستور يعتبر شرطاً مبدئياً للنظر في أصلحهما للمتهم. ولا كذلك الفقرة الثانية المطعون عليها التي خلص قضاء هذه المحكمة إلى تعارضها مع بعض الأحكام التي تضمنها.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة 82 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك فيما تضمنته من افتراض علم مؤجر المكان أو جزء منه بالعقد السابق الصادر من نائبه أو من أحد شركائه أو نائبيهم، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.





وسط البلد - القاهرة - عمارة ناسيتا .


للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى                     للإستشارة القانونية   اضغط على الرابط التالى  

اتصل بنا